الشعور بالشيء يأتي من واقعية الإحساس والنظر إليه، وحينما لا يكون ذلك الإحساس والنظر واقعيا، تكون النتيجة شعورا غير واقعي، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات سلبية. وحالات ضعف الإبصار وتدني الرؤية، وحالات فقدان الشعور بالإحساس في الأطراف لدى مرضى السكري، في مراحل متقدمة من المرض، هي أمثلة للاضطرابات العضوية، نتيجة تدني واقعية الإحساس، وتبعات ذلك من الإصابات العضوية.
وفي جانب الصحة النفسية، تأتي المشاعر السلبية، كالقلق والاكتئاب وغيرهما، من طريقة مقاربة الشخص نفسه لإحساسه، ونظره إلى الأشياء من حوله، ولذا قد تجد شخصا سعيدا في زواجه وعمله وعلاقته بأطفاله وزوجته، وتجد بالمقابل شخصا آخر يعايش الظروف نفسها، ولكنه غير سعيد في ذلك كله. وتجد عند التدقيق أن طريقة نظر وإحساس الشخص الأول إلى نعمة العمل ونعمة الأسرة، تختلف عن طريقة الشخص الثاني في ذلك كله، على الرغم من تشابه المعطيات لديهما.
والتواصل باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي Social Media، أصبح لدى البعض، وربما لدى كثيرين من متوسطي العمر، أحد الأنشطة اليومية التي يقضون فيها ساعات بشكل يومي، بغية التواصل مع الأصدقاء والأفراد البعيدين في العائلة، ولكنها في الوقت نفسه قد تحمل ما قد يتسبب في الأذى النفسي، الذي قد يختلف عن التواصل الاجتماعي المباشر والطبيعي والواقعي، عن طريق العلاقات الأسرية وزيارات الأصدقاء ومحادثتهم.
وكان الباحثون من «مركز بحوث وسائل الإعلام والتكنولوجيا والصحة» Center for Research on Media Technology and Health في جامعة بيتسبيرغ قد نشروا دراستهم حول العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب Depression، بين صغار البالغين في الولايات المتحدة، وذلك ضمن عدد مارس (آذار) الماضي من مجلة «الاكتئاب والقلق» Depression and Anxiety.
وقال الباحثون في مقدمة الدراسة: «استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يزداد بين الشباب الأميركي، وارتباط ذلك بصحة ورفاهية الحالة العقلية لا يزال غير واضح، وهذه الدراسة تقيم العلاقة بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والاكتئاب، وذلك لدى عينة من الشباب تمثل شريحة وطنية».
ولاحظ الباحثون في نتائج دراستهم أن قضاء الشباب مزيدا من الوقت في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، يزيد من احتمالات الإصابة بالاكتئاب. وشملت الدراسة نحو 1800 شخص من الجنسين، نصفهم من النساء، وتراوحت أعمارهم بين 19 و32 سنة، وبدعم من المؤسسة القومية للصحة في الولايات المتحدة NIH. وجرى تقييم وقت الاستخدام اليومي وعدد الزيارات الأسبوعية لوسائل التواصل الاجتماعي، بالإفادة الذاتية من قبل المشمولين بالدراسة، باستخدام «استبيان بيو لبحوث الإنترنت»Pew Internet Research Questionnaire، كما جرى تقييم الاكتئاب باستخدام نتائج نظام معلومات القياس «PROMIS» لـ«النموذج القصير لمقياس الاكتئاب» Depression Scale Short Form.
وقال الباحثون في محصلة نتائج الدراسة: «ارتبط بشكل كبير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي مع زيادة الاكتئاب. ونظرا للانتشار الواسع لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فإن تحديد آليات واتجاه هذه العلاقة أمر مهم في التعامل العلاجي مع حالات الاكتئاب المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي».
ولكن، كما عرض الباحثون، هل الاستغراق وقتا أطول في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي بالفعل إلى الإصابة بالاكتئاب، أم إن العلاقة الملحوظة بشكل قوي بينهما ليست من نوع علاقة السبب والنتيجة؟ وهو ما لم يجزم بأي منهما الباحثون، وأفادوا بأن السؤال يبقى: هل زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي إلى الاكتئاب، أم إن الأشخاص الذين هم بالفعل مُصابون بالاكتئاب هم أيضا أكثر إقبالا على استخدام تلك الوسائل للتواصل الاجتماعي؟
وعلق الدكتور براين بريماك، الباحث الرئيس في الدراسة مدير مركز بحوث وسائل الإعلام والتكنولوجيا والصحة بجامعة بيتسبيرغ، بالقول: «أحد الاحتمالات القوية أن الناس الذين يعانون بالفعل أعراض الاكتئاب يلجأون أكثر لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ربما لأنهم لا يشعرون بأن لديهم الطاقة أو الدافع للمشاركة بشكل أكبر في العلاقات الاجتماعية المباشرة. ومع ذلك، هناك أيضا بعض الأسباب التي تبرر القول بأن زيادة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي قد تؤدي إلى الاكتئاب، وعلى سبيل المثال، فإن الأشخاص الذين يتعلقون أكثر بالتواصل في العلاقات باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، قد يشعرون بأنهم لا يعيشون تلك الصور المثالية للحياة التي يميل الناس الآخرون إلى أن يقدموا بها أنفسهم في تعريفهم بشخصياتهم للغير، عبر صفحات تلك الوسائل للتواصل الاجتماعي، وهو ما يطلق عليه علميا، بوصفها ظاهرة ملحوظة، «اكتئاب الفيسبوك» Facebook Depression.
ولكن يظل أن ما وجدناه كان مجرد ميول شاملة لدى المشمولين بالدراسة، وهذه النتائج لا تعني أن كل شخص يشارك بشكل زائد في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي هو أيضا لديه اكتئاب. وفي الواقع، هناك بالتأكيد كثير من الناس الذين يجدون نوعا من العزاء من خلال وسائل التواصل الاجتماعي للتقليل من الاكتئاب، وتظل النتائج العامة للدراسة أن ثمة رابطا بين الإكثار من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والاكتئاب.
ووفق ما يفيد به الباحثون من أطباء «مايو كلينك»، فإن «الإشكالية في الاكتئاب تظل أن الذين يعانون الاكتئاب في كثير من الأحيان لا يتم تشخيص إصابتهم به لأسباب عدة، منها أن البعض يعتقد أن علامات الاكتئاب يجب أن تكون الشعور بالحزن والأسى العاطفي، ولكن في الواقع أن الاكتئاب لدى الرجال خاصة، قد تكون علاماته الأولية أعراضا مثل الصداع، ومشكلات في الجهاز الهضمي، والشعور بالتعب، والتهيج السريع، وآلام مزمنة في أعضاء شتى من الجسم. وكثير من المصابين بالاكتئاب لا يتيحون الفرصة للحديث عنه مع شركاء حياتهم، أو حتى مع المتخصص النفسي، ويحاول أن يضغط على نفسه، والرجال خاصة، الذين يعتقدون أن التعبير عن المشاعر أو العواطف سلوك يتعارض مع الرجولة».
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]
TT
للاكتئاب أسباب أخرى
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
