هناك مقولة معروفة كانت تقال على لسان الفنان الراحل يوسف وهبي؛ وهي: «شرف البنت مثل عود الكبريت لا يشتعل سوى مرة واحدة» ويبدو أن هذه المقولة من الممكن أن تنطبق على سمعة الدول «وصورتها الذهنية» أمام الغير. والشيء اللافت أن دولة مرموقة مثل سويسرا تعاني من «أزمة» حادة، لها علاقة بسمعتها والصورة الذهنية التي ارتبطت مؤخرا بها حول العالم، نظرا لسلسلة متلاحقة من القصص السلبية، التي كانت بحقها.
منذ استفتاء منع المآذن الخاصة بالمساجد الإسلامية، وسويسرا تشهد ارتفاعا وترحيبا بالخطاب الفاشي المتطرف ضد المهاجرين، وبعد ذلك حصلت سلسلة من الفضائح والجرائم المالية الهائلة ضد أهم مصرفين كبيرين في بلاد المصارف، تصدرت أخبارهما العناوين في إعلام العالم، مما سبب إحراجا عظيما للمؤسسات التشريعية والرقابية فيها، وبعد ذلك حصلت مشكلة اتحاد كرة القدم الدولي المعروف باسم الفيفا، الذي يتخذ من سويسرا نفسها مقرا رئيسيا، والمشكلة تضمنت فضائح مالية ورشى واختلاسات وابتزازات، واستغلالا للمنصب مرة أخرى، دون أن يلفت كل هذا الملف الملتهب أعين الأجهزة الرقابية في دولة بوليسية صارمة كسويسرا، لولا تدخل السلطات الرقابية والأمنية في الولايات المتحدة.
سويسرا بلد عرف بالدقة والنظام، لذلك برعوا في صناعة الساعات والحلوى والمصانع والمصارف، ولكنها تدرك اليوم أن هناك خللا في المنظومة القديمة التي بنيت عليها البلاد وأسست لمجدها.
السياحة ضعفت وأرقامها في تراجع، والسمعة التي أضرت بسويسرا أثرت على ثقة المتعاملين في مؤسساتها الرقابية ولجأوا بالتالي سريعا إلى خيارات أخرى كملاذ استثمارات آمن وبديل. وسويسرا تتعامل مع هذا الوضع «الجديد» كتحد مصيري وخيار للبقاء، فهي الدولة التي اختارت الحياد التام بالعزوف عن الانضمام لمؤسسات عالمية، كالأمم المتحدة والسوق الأوروبية والاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي، واعتمدت فقط على السمعة والمصداقية والجدارة والاعتمادية، التي بنتها عبر السنوات الطويلة من التعامل مع الشرق والغرب، والانطباع الذي نجحت في تركه كبصمة أساسية على المتلقي.
والسؤال الذي خطر على بالي، وأنا أقرأ بنهم عن تحديات سويسرا «الهائلة» في إعادة صياغة موضعها من العالم بناء على التطورات السلبية المتلاحقة، التي حدثت لها هو: يا ترى ما الذي يمكن أن يعمله المسلمون، وهم يرون صورتهم الذهنية تزداد سوءا نظير خطف دينهم على أيدي إرهابيين ومتطرفين ومجرمين وغلاظ القلوب؟ سؤال يبدو منطقيا في طرحه، سويسرا لم تلجأ حتى كتابة هذه السطور إلى نظرية المؤامرة في تفسير خيبتها وإخفاقاتها، وقد يكون في ذلك المفتاح للحل.
8:50 دقيقه
TT
سويسرا والمسلمون
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
