إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

عين حمراء على المنطقة الخضراء

«لدينا شعب لا نوّاب له. حتى الكتل الكبرى ليست من طين حرّ. ليست من طين الزقّورات الممزوج مع التِبن. لدينا تِبنٌ لا غير».
يمكن لمن يقطع شارع المتنبي في بغداد أن يطالع هذه الأبيات للشاعر كاظم الحجاج معلقة على الواجهة الخارجية لمقهى الشابندر. من قال إن زمن المعلقات انتهى؟ أتخيل مواطنًا مهمومًا بألف قضية، ينزل ليراجع دائرة التقاعد أو ليبحث لطفله عن طبيب فيقع على قصيدة، على عشرات القصائد المنتقاة لشعراء عراقيين معلقة مع صورهم في أكثر من مكان، على البوابة الخشبية الفخمة لمقهى الأطرقجي، وعلى مدخل كافتيريا أنيقة يقال لها «الجاي خانة»، لم تكن موجودة على أيامنا، وعلى جدران كانت متسخة بهباب المزابل وثقوب المفخخات. هذه صورة الشاعر مؤيد الراوي، وذلك مقطع لعبد القادر الجنابي، وثالث لخزعل الماجدي، وغيرها لمنال الشيخ وعبد الرحمن طهمازي وموفق محمد وكمال سبتي وعباس اليوسفي وناصر مؤنس. أصوات ووجوه بينها من رحل أو هاجر واغترب، وبينها من ما زال مقيمًا ينفث دخان صدره في الأحرف والصور.
في مثل هذا الوقت من كل عام يحتفل أهل الأدب وقراؤه باليوم العالمي للشعر. وقد أبى الشباب القائمون على بيت الشعر العراقي أن تمرّ المناسبة فاترة. وإذا كان هناك من تشغله الحياة عن الذهاب لملاقاة القصيدة فلا بأس من أن تذهب القصيدة إليه. وهذا هو هدف فعالية «مقاطع للمارّة». أن يكون الشعراء الشباب قطّاعي طريق، يعترضون دربك ليلقوا عليك التحية بأسلوبهم الخاص! وقد أرسل لي شاعر صديق صورة له مع مقاطع من قصيدة، معلقة في مقهى شعبي بين صورة لناظم الغزالي وصورة لزهور. وناظم هو الذي غرّد قبل كل المُغردين: «أي شيء في العيد أهدي إليك يا ملاكي؟». وزهور، هي المغنية التي أودى بها حادث سيارة قبل ستين عامًا، وكانت تغنّي: «لو للغرام حاكم كنت أشتكي أمري».
أن يذهب الشعر إلى الناس هو أيضًا تقليد جميل يتمسك به المسرحي العراقي المقيم في فرنسا سعدي يونس بحري. وقد أمضى ثلاثة أرباع عمره وهو يطوف على مدارس باريس ومقاهيها ومكتباتها ومسارحها وسجونها لكي يقرأ على أهل هذه البلاد ملحمة غلغامش، الكائن الرافديني المبدع العاشق للحياة، الباحث عن سر الخلود. وهناك ثلاثون مليون عراقي يتشبثون بالحياة، مثل غلغامش، ضد الموت المبرمج. وبينهم من يركب زوارق النجاة، أو يتظاهر تحت «نصب الحرية»، أو يرابط بعين حمراء عند بوابة المنطقة الخضراء في بغداد، مقر أهل الحكم.
يحب العرب، بشكل عام، الخطابة والبلاغة والقصائد العصماء. ولعل هذه الصفة الأخيرة راحت مع أهلها وتركت الساحة للتجارب الحداثية وللكلام المنثور. ما عاد الشباب يطربون للحناجر الصارخة بل للصوت الخافت المهموس. لكن العراقيين مجانين شعر. يحبون قديمه وحديثه. وترى بين الشعراء من هو معلّم أو مهندس أو طبيب أو حتى ضابط. وقد وقف صالح مهدي عمّاش، العسكري المحترف ووزير الداخلية آنذاك، يرحب بالجواهري ويرتجل مطلعًا يعارض فيه قصيدته الشهيرة: «أرح ركابك من أينٍ ومن عَثَرِ، كفاك جيلان محمولاً على خَطَرِ». وكان الشاعر قد عاد من منفاه إلى أرض الوطن، أواخر الستينات، قبل أن يغادره يائسًا، من جديد، في رحلة طالت حتى انقطاع النَفَس.
يذهب شاب عراقي ليخطب فتاة وهو معدم. وتسأل أم العروس: «عيني شيشتغل المحروس؟». وتنفخ أُم الولد صدرها وترد: «ابني ما شاء الله عليه شاعر»! حجة مفحمة تأتي بالموافقة ويتزوجان ببركة الإلهام، بين صدر وعجز. يبحثان عن بيت للإيجار أو يسكنان بيتًا من الشعر. فقد قسمت العرب القصيدة إلى أبيات وأشطار وابتدعت لها بحورًا وقوافيَ. فلماذا قالوا «شيطان الشعر» ولم يخترعوا له ملاكًا؟ لعل من صنوف الشيطنة المريرة أن يجتمع أربعة شعراء عراقيين، قبل أشهر، ليقرأوا قصائدهم وهم متنكرون بالبدلة البرتقالية المخصصة لنزلاء غوانتانامو وللمحكومين بالإعدام في سجون أميركا. وقد استوردتها «داعش» وفرضتها على رهائنها الذين تسوقهم إلى النحر. وكان هدف الشعراء إطلاق صرخة احتجاج على ذلك العنف وعلى الخناجر التي حصدت سنابل القصائد. هل خرجت على النص؟ كنا في الجمال وصرنا في البشاعة. لكن ماذا تقول وأنت ترى شاعرًا يرتدي بدلة الموت البرتقالية ويقرأ قصيدة مؤثرة مؤلفة من سبع كلمات، لا غير: «أعطوني رأسي، أستطيع العودة به إلى المنزل». وليس صدفة أن اسمه كاظم خنجر.