ديفيد اغناتيوس
صحافي وروائي. وهو محرر مشارك وكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست". كتب ثماني روايات، بما في ذلك "جسد الأكاذيب"
TT

ماركة ترامب.. تاريخه لا يرقى لشهرته

دعونا نتخيل ولو للحظات أن دونالد ترامب بائع عطور. لنأخذ مقتطفات من الإعلانات على الموقع الإلكتروني «ترامب دوت كوم» الذي يحوي ما لديه من شركات «عظيمة». «وصف إمبراطورية ترامب هو أفضل تعبير للرجل الواثق المصمم على تحقيق هدفه بكل جوارحه وبقدر كبير من المثابرة والاندفاع... في دعاياته بالخط العريض ترى إعلانًا عن الشاي بنكهة النعناع، وآخر بالمذاق الحار، وغيره بطعم التفاح». وهناك عطر «سكسيس باي ترامب» (النجاح من خلال ترامب) الذي «يعكس إصرار الرجل المندفع» والعطر يتكون من خليط ملهم من نبات العرعر الطازج والعنب الأحمر المثلج مضافًا إليه القليل من الكزبرة.
مع ترامب تبقى روح العطر دومًا كما هي، سواء في ترشحه للرئاسة (شعاره لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، أو في دعايته للفنادق «عش حياتك من دون حدود، عوائق أو حلول وسط»، أو في مبيعات الكتب «تعلم كيف تفكر مثل المليونيرات، فالأمر أسهل من طي الصفحة».
ماركة ترامب كبيرة وعريضة وتهدف إلى الوصول للمال والشهرة، فهي تفخر بنفسها وتحتقر المنافسين الآخرين. ماركة ترامب انتقائية (تراها في إنتاج زجاجات المياه المعدنية، الأثاث المنزلي، ربطات العنق، وصلات الأكمام، دورات تعليم رياضة الغولف). وعندما تفشل (ثلاثة أندية قمار أفلست، صفقة طيران فشلت، فريق كرة قدم غير ناجح)، فإن شركات ترامب تتغاضى أو تنكر الجوانب السلبية وتستمر في الدوران.
لا شيء يبدو مفاجئًا بشأن ترامب حتى هذه النقطة، فعلى مدى تسعة أشهر استمر ترامب يقول ما لا يقال، ولم يتنكر لما قاله بل زادت شعبيته، فيبدو أنه رجل يتقن السقوط من أعلى التل.
يقول ترامب إنه مؤهل لأن يصبح رئيسًا لأنه رجل أعمال عظيم، فهل هذا حقيقي؟ ماذا يقول لنا سجله في مجال الأعمال عن نقاط ضعفه وقوته؟
بالنسبة لترامب، فإن بريق الماركة هو كل شيء، ولذلك ترى ردود فعله ساخطة تجاه أي تلميح بأنه ليس بالغنى الذي يدعيه. الأمر أكبر من مجرد خيلاء، فما يفعله يضر بمشروعاته التجارية. فقد رفع دعوى ضد صحافي عام 2006 لمجرد أنه ادعى أن ثروته أقل من مليار دولار؛ فقد زعم ترامب أن القول بأن قدراته المالية متواضعة أضر بقدرته على إتمام الصفقات. قد تبدو الدعوى تافهة لكن ترامب أصر على السير فيها لخمس سنوات.
صحيح أن ترامب ناجح بالفعل في إبرام الصفقات، لكنه تسبب في أن تنتشر سمعته في عالم العقارات كرجل يهوى الصدام. من الصعب تصور أن يتناسب هذا الأسلوب مع المفاوضات السياسية والدبلوماسية حيث الحلول الوسط مطلوبة والخداع يشكل خطرًا كبيرًا.
ذكر ترامب في كتاب نشره عام 1987 أن «الصفقات هي الفن الذي أجيده»، لكن ما يفعله يبدو أقرب إلى المصارعة داخل قفص منها إلى استوديو فنان. ترامب معروف بأنه مشاكس (ذكر موقع باسم «لونيز دوت كوم» أن اسم ترامب ورد في 169 قضية عرضت أمام القضاء)، فدائمًا ما يراهن على اللعب على حافة الهاوية، ويهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم يحصل على الامتيازات التي يريدها. قد يكون هذا النوع من الملاكمة بلا قفازات مناسبًا في مجال العقارات حيث يرى الناس التقاضي كأحد تكتيكات التفاوض ويرون المخاطرة بالإفلاس كشارة الشرف. بيد أن هذا الأسلوب ليس مريحًا في الديمقراطية وتوازناتها.
يصور ترامب نفسه كرجل ذي شخصية جبارة يستطيع العمل مع غيره من الكبار، إلا أن علاقاته ضعيفة مع أباطرة مجال العقارات في نيويورك مثلاً. فقد أبلغني الكثير من الشخصيات المهمة أنهم لم يقابلوا ترامب من قبل، أو أنهم بالكاد سمعوا عنه. أبلغني كذلك نصف دزينة من المستثمرين أن ترامب نادرًا ما يُدعى للمشاركة في الصفقات متعددة الأطراف ولا يرونه شريكًا جيدًا.
يمكن اعتبار ترامب آخر ما تبقى من الشركات العائلية التي كانت تسيطر على سوق العقارات في الماضي، فثلاثة من أبناء ترامب: دونالد، ايفانكا وإيريك يشغلون مناصب تنفيذية في مؤسسة ترامب ويمكن وصفهم جميعًا بـ«الجيل التالي»، حيث تشتت أغلب الشركات العائلية عقب الانهيار الحاد في حقبة التسعينات وتحولت إلى ملكيات عامة، عكس ما فعله ترامب الذي أصبح أكثر ميلاً للخصوصية ومنصبًا على عائلته أكثر من ذي قبل وأقل ميلاً للمخاطرة.
فيما يخص خيلاء ترامب، المدهش أنه أصبح أكثر تحفظًا في أسلوب عمله التجاري هذه الأيام. فبعد تجربة مميتة في عالم المال في أندية القمار ورهاناته المرتفعة وإفلاس ثلاثة منها في التسعينات، أصبح ترامب أكثر حذرًا. لم يعد ترامب يضع من ماله الخاص في الصفقات إلا القليل. أشار صحافي «نيويورك تايمز» جو نوكيرا مؤخرًا أن ترامب يعمل على الحصول على ترخيص لشركة هدفها تسويق وشهرة اسمه، وليس شراء وبيع منتجات.
هناك اليوم رجل أعمال لديه قدرة خاصة على بناء وتأسيس شركات عظيمة ولديه ثقة لا مثيل لها في مستقبل الولايات المتحدة اسمه وارن بافيت. لكن ماذا عن دونالد ترامب؟ ليس بهذا القدر.

* خدمة «واشنطن بوست»