تختلف نظرتنا لأهمية الحديث الطبي عن أمر ما بناء على مدى اهتمامنا بالتأثيرات الصحية لذلك الأمر علينا، ولذا يلجأ التثقيف الصحي نحو بناء أساس لدى الإنسان مكون من أن الأشياء التي نتناولها أو نشربها لها تأثيرات صحية، سلبية كانت أو إيجابية، وبالتالي لتزويد الجسم بما يفيده كغذاء. ثمة ثلاث خطوات، الأولى انتقاء المنتجات الصحية لما سنتناوله أو نشربه لنضمن أن عناصر غذائية مفيدة ستدخل جسمنا ونضمن أيضًا أننا أبعدنا عن جسمنا مواد أخرى قد تتسبب له بالضرر. والثانية أن نعمل على إعداد تلك المنتجات الغذائية المفيدة وفق طرق صحية تجعل أجسامنا تتلقى غذاءً أو شرابًا صحيًا، والثالثة أن نصنع بيئة منزلية صحية لتناول الطعام الصحي أو شرب المشروبات الصحية.
وعليه، تختلف أهمية الحديث الطبي عن شأن يتعلق بجعل الطعام أو الشراب اليومي صحيًا باختلاف مدى اهتمام الشخص بذلك.
وشرب الشاي قد يكون بالنسبة لشخص ما مجرد شرب مشروب ساخن «يعدّل المزاج» بينما يراه شخص آخر فرصة لتلقي كمية جيدة من المواد المضادة للأكسدة Antioxidants التي ستحمي شرايين قلبه ودماغه وفي نفس الوقت تُغنيه عن شرب أشياء أخرى قد تكون ضارة. ولذا يحرص الشخص الثاني على عدم إضافة ملاعق متعددة من السكر إلى كوب الشاي لأن النتيجة لن تكون في صالح الجسم رغم أن الشاي مشروب صحي، ذلك أن ملاعق السكر تلك ستجلب لجسمه أضرارًا كان في غنى عنها. بينما الشخص الأول لا يُمثل له الأمر أهمية ولذا لن يُبالي حينما يكون الحديث عن ضرورة شرب الشاي بطريقة صحية ولا عن كيفية إعداده بطريقة صحية. وتحديدًا، قد لا يُبالي أحدهم بتأثيرات إضافة الماء إلى أوراق الشاي وكيف يُمكن جعل تلك العملية تفيد الإنسان إلى أقصى حد من شربه للشاي، أو حينما يجري الحديث عن أنواع الشاي ومحتوياتها، بينما يهتم كثيرًا شخص آخر بالموضوع.
ومعلوم أن ثمة ثلاثة أنواع رئيسية للشاي الذي تُقطف أوراقه من شجرة واحدة، وهي الشجرة التي تُعطي الشاي الأخضر حينما تُقطف الأوراق ويتم بعناية تجفيفها دون أن يلحق تلك الأوراق أي تقطيع أو خدوش، وتعطي الشاي الأسود حينما يتم تقطيع الأوراق تلك لتحصل عملية الأكسدة أثناء جفافها، أي أسوة بتقطيع التفاحة وتحول لون لبها الأبيض إلى اللون البني بفعل الأكسدة مع أكسجين الهواء، وتعطي أيضًا الشاي الأبيض الذي يتكون من أوراق البراعم الصغيرة التي حينما يُصنع منها الشاي لا تعطي للمشروب اللون الأخضر ولا الأحمر. ومعلوم أيضًا أن إعداد الشاي يتطلب مزج أوراق الشاي بالماء كي يتم تسهيل تحرير المواد الكيميائية المفيدة من أوراق الشاي وذوبانها في الماء وبالتالي يسهل على الأمعاء امتصاصها. وغالبية الناس في العالم تستخدم الماء الحار وتتفاوت مدة النقع وأيضًا طريقة إضافة الماء ودرجة حرارة الماء الحار.
وكان الباحثون من معهد تكنولوجيا الأطعمة Institute of Food Technologists بالولايات المتحدة قد نشروا ضمن عدد ديسمبر (كانون الأول) الماضي لمجلة علوم الطعام Journal of Food Science نتائج دراستهم حول هذا الأمر بعنوان: «درجة الحرارة والمدة الزمنية للنقع يُؤثران على خصائص المواد المضادة للأكسدة في مشروب الشاي الأبيض والأخضر والأسود». وأفاد الباحثون أن الشاي هو المشروب الأعلى تناولا في العالم بعد الماء، وأن طرق تحضير وإعداد مشروب الشاي تختلف في مناطق العالم وتعتمد على نوع الشاي المستخدم، وأنهم في دراستهم الحديثة اختبروا ثلاثة من أنواع الشاي، وهي الأبيض والأخضر والأسود. وتمت المقارنة بين نقع الشاي في الماء الحار لمدة ساعتين ولمدة خمس دقائق ونقعه في الماء البارد لمدة ساعتين ولمدة خمس دقائق. ووجدوا بالنسبة للشاي الأبيض وكذا إلى حد بعيد الشاي الأخضر، أنه كلما زادت المدة الزمنية لنقع الشاي في الماء، سواء كان حارًا أو باردًا، ارتفعت كمية المواد المضادة للأكسدة في المشروب. بينما يحتاج الشاي الأسود إلى الماء الحار لاستخلاص تلك المواد المضادة للأكسدة لتمتزج بالمشروب، وكلما زادت المدة خفت فعالية المواد المضادة للأكسدة. ووجدوا أن الشاي الأبيض ثم الأخضر أعلى احتواءً على المواد المضادة للأكسدة وأقل احتواءً على الكافيين مقارنة بالشاي الأسود.
والملاحظ أن للصينيين طريقة تختلف لتحضير الشاي الأخضر عبر غلي الماء وتركه ليرتاح لحظات، ثم سكبه على الشاي في دفعات، والهدف هو غسل أوراق الشاي أولاً بالماء الحار والتخلص من ذلك الماء ثم صب كمية أخرى من الماء وشرب الشاي المتكون ثم إضافة ماء ساخن آخر وهكذا لأنهم يرون أن تلك الإضافات التالية ستعطيهم أفضل المستخلصات من المواد المفيدة التي تحتويها أوراق الشاي الأخضر. بينما يحتاج الشاي الأسود إلى إضافة الماء المغلي وغلي المزيج لمدة زمنية، وهو ما يفعله أهل الهند والمناطق العربية لاستخلاص المواد المفيدة التي تحتويها أوراق الشاي الأسود، وهي طريقة ضرورية وخاصة في المناطق الجبلية المرتفعة حيث تنخفض درجة حرارة نقطة الغليان وبالتالي يُصبح من الضروري غلي الماء والشاي والأسود معًا لضمان إنتاج مشروب مكتمل الفائدة.
إعداد الأطعمة والمشروبات بطريقة صحية هو بالفعل أصبح اليوم علمًا مستقلاً نظرًا لأن طريقة الإعداد لها تأثيرات صحية تبعًا لنوعية التفاعلات الكيميائية التي حصلت خلال عملية الطهو أو الإعداد، أو ما يُعرف بـ«كيمياء الطبخ»، ولذا لم يعد كافيًا النصح بتناول أو شرب منتج غذائي معين بل أيضًا كيفية إعداده بطريقة صحية.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]
