زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

هيبس!

هيبس هو أحد أهم وأكبر المعابد المصرية في واحة الخارجة؛ يعود تاريخه إلى الفرعون بسماتيك الثاني من الأسرة 26 المعروفة باسم العصر الصاوي نحو 600 قبل الميلاد. استمر البناء في معبد هيبس حتى العصر الروماني وخصص لأمون هيبس والكرنك.. وقصة ترميم هذا المعبد تستحق أن تروى؛ فهي تظهر لنا كيف أن القرارات الخاطئة يمكن أن تدمر الآثار. وتبدأ القصة في عام 1987 في عهد الدكتور أحمد قدري، عندما شكل لجانًا لترميم المعبد الذي كان في حالة سيئة جدًا، وصلت إلى درجة تدمير نقوش أجزاء من المعبد ومناظره. وكان الرأي الأول في ذلك الوقت هو ضرورة نقل المعبد إلى مكان مجاور، نظرًا لأن التربة في حالة سيئة جدًا. ورأي آخر نادى به الدكتور علي صبري، وهو تدعيم المعبد وأساساته وترميم الجدران وعدم نقله من مكانه.
ظل الأثريون والمرممون يتصارعون أكثر من 30 عامًا دون أن يتم اتخاذ أي قرار لعلاج مشكلات المعبد، لتظل المعاناة وحالة التدهور دون أن تتم أي عمليات ترميم. وعندما جاء المرحوم الدكتور جاب الله علي جاب الله لمسؤولية الآثار؛ وبعد عقد الكثير من اللجان والمعاينات؛ اتخذ المجلس الأعلى للآثار قرارًا بنقل المعبد؛ وتم إسناد عمليات النقل والترميم لشركة المقاولون العرب ذات التاريخ العظيم في عمليات الترميم المعماري للآثار داخل مصر وخارجها. وقد تم بالفعل فك البوابة الأمامية للمعبد؛ ولكن العمل توقف أكثر من مرة لأسباب مختلفة؛ الأمر الذي دعا الفنان فاروق حسني وزير الثقافة في ذلك الوقت إلى تشكيل لجنة برئاستي، وكنت أشغل منصب مدير آثار أهرامات الجيزة؛ وبعد معاينة الموقع المقترح للنقل والمعبد ومناقشة الدكتور مصطفى الغمراوي وجدت أنه غير مقتنع تمامًا بعملية النقل؛ خاصة لأن المكان المقترح للنقل لا يبعد كثيرًا عن المكان الأصلي، وبالتالي توجد نفس مشاكل التربة ويكون النقل غير مجدٍ.
كان لا بد من تصحيح الأوضاع ووضع خطة مدروسة لإنقاذ المعبد. وكانت الخطوة الأولى هي تحويل عقد «المقاولون العرب» وتعديله من نقل المعبد إلى ترميمه في مكانه، وهذه الخطوة تمت بنجاح بفضل مجهودات اللواء نادر محمد رئيس قطاع المشروعات بالمجلس الأعلى للآثار في ذلك الوقت. بعدها بدأت الشركة والمرممون في إعادة بوابة المعبد؛ وتنفيذ مشروع حفظ وصيانة متكامل يبدأ من دعم وترميم أساسات المعبد وحقنها لمعالجة مشكلات التربة؛ وكان لا بد من التخلص من الترميمات الخاطئة التي استخدم الإسمنت بها.. وتم تحديد مواد الترميم المناسبة وعمل التجارب اللازمة قبل تطبيقها على الأثر.
على أن أهم قرار تم اتخاذه في مشروع إنقاذ معبد هيبس هو عمل حد أمان وحرم حول الأثر، بحيث لا يسمح لأي اتساع عمراني يجور عليه؛ وفي نفس الوقت تأهيل المنطقة بالكامل لكي يصبح الأثر مفيدًا للمجتمع الذي به وليس مجرد عبء عليه. وكانت الخطة أن يتم افتتاح هيبس في 2011، ولكن ما حدث في 25 يناير (كانون الثاني) من عام 2011 والأحداث التي مرت بها مصر في ذلك العام جعلت موضوع الافتتاح مؤجلاً. الغريب أن الوزير السابق للآثار استمر عامين في منصبه وقام بافتتاح المعبد واعتبر ترميمه ضمن إنجازاته الشخصية! ثم تمت إعادة افتتاح هيبس مرة أخرى بواسطة الدكتور ممدوح الدماطي وزير الآثار؛ وكتبت قصة الترميم فقط لكي لا يضيع جهد من عملوا لإنقاذ تراث أثري مهم.