إدارة الموهبة

إدارة الموهبة

الخميس - 12 جمادى الأولى 1435 هـ - 13 مارس 2014 مـ رقم العدد [12889]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

سمعت أحد أعلام إدارة الموهبة في العالم يقول إن سياسة الصين في منع الوالدين من إنجاب أكثر من طفل واحد كانت وما زالت تقلقه، وهي بالفعل كذلك، لا سيما أن عقوبتها القانونية قاسية في محاولة من السلطات لتحديد النسل مقابل الانفجار السكاني! وكان ديف أولريتش يصف تجربته عندما كان تحدث إلى المسؤول عن إقامة برنامجه التدريبي الجماهيري في بكين، حيث قال له المسؤول: «أريدك أن تلبس قميصا لونه كذا ورابطة عنق لونها كذا ووجه له تعليمات أخرى دقيقة». ليس هذا فحسب بل بدأ يشرح له ما الذي يقوله وكيف يقوله مما أثار استغراب وحفيظة المحاضر الأميركي المخضرم. وفي يوم الدورة التدريبية لم يرتدِ ديف عمدا أي شيء مما طلب منه. فقال له الصيني: لماذا لم تفعل ما طلبته منك؟! فقال له الأميركي لأنني حر فيما أفعل ولا يمكن أن يملي علي أحد ألوان ملابسي وشكلها طالما كانت لائقة. ثم اكتشف ديف أن الصيني كان أحد مخرجات سياسة الطفل الواحد «المدلل» في العائلة الصينية الذي لا يُرَدُّ له طلب. وبعد انتهاء الدورة قال له الصيني: لماذا لم تلتزم أيضا بما طلبت منك قوله؟ فقال له الأميركي: أهلا بك في العالم الحقيقي! في إشارة إلى أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
وروى لنا ديف أولريتش هذه الحكاية في ندوة جماهيرية في الكويت عن «إدارة الموهبة» دعيت إليها قبل أيام. وقد اشتهر بأن له دراسات كثيرة في هذا المجال حيث قال إن هناك موهوبين كثرا في المجتمعات الإنسانية، لكن البيئة التي يترعرع فيها الإنسان هي التي تعزز قدراته أو تهدمها. ومن معاول هدم الموهوبين «الدلع الزايد» على ما يبدو. وهو بالفعل ما نشاهده في بيئات العمل، فهناك من الموهوبين من لا يستفاد من قدراتهم ولا يوضعون في المكان المناسب بحجة تنفيعهم مثلا على حساب المؤسسة وقيمتهم المضافة. وينسى البعض أن الموهوب في مجاله قد تكون إمكانية إنتاجيته أضعاف الشخص العادي إذا ما نال تقديرا في عمله أو في بيته بحيث ينشأ في أجواء تصقل قدراته بدلا من وأدها بوابل من التوبيخ والاستهزاء. حينها يكون قدوة حسنة لغيره.
ولهذا فإن من أهم الأمور التي تقوي الأفراد وتصقل مواهبهم أن «نمنحهم مسؤوليات»، كما يقول ديف. ولذا فإن كثيرا من الشركات العالمية بدأت تخفض من الساعات التدريبية التقليدية، مثل IBM، وتعوض الفارق بعمل تطوعي مجتمعي؛ لأنه ثبت أن العمل التطوعي خارج المؤسسة يكسب الفرد مهارات قيادية واجتماعية وغيرها، وهو ما يمكن أن تستفيد منه المؤسسات لاحقا.
وعندما نتحدث عن أهمية رعاية الموهوبين فإننا ننطلق من أرقام مثيرة للقلق لمؤشر «تنافسية المواهب العالمي» لسنة 2013 الصادر عن كلية INSEAD العالمية الشهيرة. وهو مؤشر يقيس قدرة الدول على تطوير، وجذب، واستبقاء الأشخاص الموهوبين. إذ جاءت الإمارات في المرتبة 19 عالميا، وقطر 34، والسعودية 42، ولبنان 48، والكويت 60، ومصر 89، والمغرب 90.
هذه الأرقام تصور حجم المشكلة وتظهر ضرورة «إدارة الموهبة» في عالمنا العربي.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة