أطباء «البعث» عالجوه بالتي كانت هي الداء!

أطباء «البعث» عالجوه بالتي كانت هي الداء!

الثلاثاء - 9 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 19 يناير 2016 مـ رقم العدد [13566]
غسان الإمام
صحافي وكاتب سوري

الزمن صانع مصادفات التاريخ العجيبة! لعب أطباء «البعث» أدوارا سلبية متشابهة في تاريخ سوريا الحديث: يتربع طبيبان اليوم فوق مقبرة إنسانية تضم رفات 300 ألف إنسان سوري. ومات منذ أيام الدكتور يوسف زعيِّن آخر ثلاثة أطباء ساهموا في ستينات القرن الماضي، بعملية قيصرية لاستيلاء «البعث الطائفي»، الذي انتهى صانعا لهذه المجزرة الجماعية الرهيبة.
لكن الزمن منح سوريا طبيبا آخر. فكان الدكتور عبد الرحمن الشهبندر قائد الثورة السورية الكبرى (1925/ 1927) أول من وعى المأزق الطائفي في سوريا. وأول ضحاياه. فقد كُفر واتهم بالزندقة. واغتيل في عيادته الطبية، بالتعاون مع نظام «فيشي» الفاشي الذي كان يحكم السلطة الانتدابية على سوريا (1940). فكان أول شهيد للتزمت الديني في تاريخ العرب الحديث.
وبلغت الجرأة بقاضٍ فرنسي شجاع ترأس المحكمة التي أدانت القتلة. وكشفت المؤامرة، فأنصف الحقيقة. وأعطى مثالا لقضاة العالم، على التضحية. ومجابهة سلطة غاشمة خائنة لوطنها فرنسا، بتعاملها واستسلامها للاحتلال النازي.
عرفتُ أطباء «البعث» الثلاثة. كانت البداية بريئة. كنا طلابا في جامعة دمشق. وكانوا يترددون على الدكتور جمال الأتاسي العائد من فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، مشبعا بالأفكار اليسارية الاشتراكية التي أضافت مذاق العدالة الاجتماعية على فكر «البعث القومي» عند عفلق والبيطار.
تخرج الأطباء الثلاثة. فالتحقوا فورا بالمستشفيات الميدانية الجزائرية في تونس والمغرب التي تعالج الألوف من جرحى ثورة الاستقلال الجزائرية. ثم عادوا إلى دمشق، لينخرطوا في العمل الحزبي.
في الستينات، كانت السياسة السورية مؤامرة مستمرة. فقد تبلور الطموح العلوي الطائفي، بتشكيل «اللجنة العسكرية» بعد الخلاف بين عبد الناصر وزعماء البعث الثلاثة (عفلق. البيطار. الحوراني). ولم تكن ديمقراطية نظام الانفصال (1961 - 1963) كافية لردع الغرائز الطائفية. فقد عاد اليمين التقليدي إلى الحكم متحالفا مع «الإخوان المسلمين» ضد الشارع الناصري. ومع الحوراني الذي أفاق بعد فوات الأوان على خطر العسكريتاريا العلوية التي جندها في الجيش، في الخمسينات.
كانت اللجنة العسكرية تجسيدا للتوجه الطائفي العلوي. فقد ضمت أبرز الضباط العلويين المسرّحين (محمد عمران. صلاح جديد. حافظ الأسد) وضباطا من أقليات أخرى. وتقدم عفلق لإضفاء «شرعيته» الحزبية على اللجنة، معربا عن عزمه الاستيلاء على السلطة بالقوة. وخصّ صلاح جديد بتكريم خاص، فقد غدا عنده ابنه الروحي!
كانت العسكريتاريا العلوية من المكر والخداع، بحيث استعارت من الأغلبية السنية أشخاصا وشرائح ضعيفة الشخصية. بلا ذكاء. وبلا وعي سياسي. ولا مؤهلات إدارية. فاقتصر طموح هؤلاء على ملء المناصب الرفيعة، من دون قدرة على الإصلاح. ومجابهة الطغيان الطائفي على الدولة والمجتمع. فساهمت هذه الشرائح في تمكين النظام الطائفي من الاستمرار. والاستقرار في الحكم والسلطة إلى الآن.
أقدم أمثلة ونماذج من هذه الشرائح، ليدرك الجيل السوري والعربي الراهن، مدى عمق مسؤوليتها عن المأساة السورية الراهنة. فقد أضفى مصطفى طلاس، نوعا من القداسة على زميله الطيار حافظ الأسد.
أما الثالوث البعثي الطبي فقد عالج سوءات البعث بالتي كانت هي الداء. فقد استعان صلاح جديد بالأطباء الثلاثة متجاهلا انعدام خبرتهم الإدارية. فغدا الدكتور نور الدين الأتاسي رئيسا للدولة مجردا من السلطات والصلاحيات التي منحت لزميله الدكتور زعيّن رئيس الحكومة. أما الدكتور إبراهيم ماخوس وزير الخارجية، فقد كان كارثة طائفية، فدمر بتهجماته علاقات سوريا مع العرب.
عرف صلاح جديد كيف يصل إلى الحكم (1963). لكنه لم يعرف كيف يحكم (1966 - 1970). تخلى عن منصبه العسكري كنائب لرئيس الأركان، متوهما أنه يستطيع أن يحكم سوريا كرجل الحزب القوي. فملأ الحزب «القومي» بشرائح شبابية متمركسة متخمة بالثقافة المتخشبة التي قرأوها في الكتب الرخيصة التي كانت تصدرها المراكز الثقافية في سفارات روسيا ودول أوروبا الشرقية في دمشق.
صحا عفلق، كما صحا الحوراني قبله، على طغيان الطائفة. فتحول حلمه السلطوي إلى كابوس مخيف بتنكر ابنه الروحي له. فدخل ما تبقى من «البعث القومي» في صراع مرير مع «البعث الطائفي». لجأ عفلق إلى عقد سلسلة من المؤتمرات الحزبية (القومية)، لإدانة الماركسية «الطفولية». وحل اللجنة العسكرية. وسحب الجيش من السياسة. والعودة بالحزب إلى «حقيقته القومية».
خسر عفلق المعركة مع صلاح جديد وحافظ الأسد. حاول التسوية. في المؤتمر القومي الثامن (1965)، تنازل عن الأمانة العامة للحزب لصالح منيف الرزاز. قبل بحكومة يرأسها يوسف زعّين «زلمة» صلاح جديد. كانت التسوية مؤقتة. فعندما عاد عفلق ليفرض حكومة برئاسة صلاح البيطار، مستعينا بالفريق أمين الحافظ رئيس الدولة، فاجأ الأسد وجديد الجميع بانقلاب عسكري (1966)، كرس عمليا وميدانيا النظام الطائفي العلوي في سوريا.
في نظام طائفي يتحرك على رقعة ضيقة من الشعبية، استمر الصراع الشخصي على السلطة بين ديكة الطائفة. انتهز الأسد توريط صلاح جديد الجيش. والحزب. والنظام بغزو الأردن، انتصارا للفلسطينيين على الأردنيين، فأنقذ الزعيم الفلسطيني جورج حبش من أسر صلاح جديد. وقاد انقلابا آخر عام 1970، مطيحا بجديد وحزبه المتمركس فكان أسهل انقلاب في تاريخ سوريا.
لم أعرف في حياتي نظاما كئيبا. ومعزولا. ومرفوضا من شعبه، كنظام صلاح جديد. ولم أعرف رئيس حكومة أهدر كرامات الناس والإداريين، كما فعل الدكتور يوسف زعيّن. عرف حافظ الأسد كيف يحكم. نقل الحكم والسلطة من الطائفة إلى العائلة. لكن لم يعرف كيف يورّث.
كان حافظ ذكيا ومحظوظا. كان يعرف كيف يداري الخصوم والحلفاء. ويعقد. وينقض التحالفات. ويوفق بين التناقضات. وكيف يوزع الجبنة والغنائم. أرضى المنافقين. فأفسد النظام الذي حافظ صلاح جديد نسبيا على نزاهته. ثم أفسد هو ونجله الحياة السياسية في لبنان. أقام حافظ محورا مع مصر والخليج. فغطى حلفه مع إيران الذي كان ضد الجغرافيا والعروبة.
كان حذره أكبر من شجاعته. صبر حافظ الأسد على حبس «شركائه» عشرات السنين. من دون أن يرق له قلب. أفرج الأسد عن زعيّن الذي داهمه سرطان الرأس. فشفي منه بعملية جراحية في السويد. وعاش بقية حياته المديدة، وهو يثرثر عن إنجازاته المزعومة.
بقي صلاح جديد ونور الدين الأتاسي في أسر الأسد 23 سنة بلا محاكمة. أفرج عنهما عندما تأكد من موتهما المحتم. مات جديد بهشاشة العظم وعطالة الكُلى. ومات الدكتور الأتاسي بسرطان التخمة في المريء. والكبد. والمعدة. فقد كان أكولا، رئيسا وأسيرا.
أما الطبيب الثالث إبراهيم ماخوس، فقد لجأ إلى الجزائر محاولا استعادة براءته كطبيب. ثم رأيته في باريس محاولا رسم نفسه معارضا. فرفضته المعارضة. والانتفاضة. ومات غما عن 86 سنة.
للكبار، كما للصغار، خطايا وأخطاء. حارب عبد الناصر البعث القومي. وصالح البعث الطائفي! فورطه الأسد وجديد بحرب مع إسرائيل على غير استعداد. خجل عبد الناصر فمارس النقد الذاتي ومراجعة التجربة. ولم يعرف النظام الطائفي مراجعة الذات. ولا الحوار. وجد الراحة في قلب الهزيمة نصرا. بلا أدنى إحساس بالمسؤولية. أو تعذيب للضمير.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة