طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

المزاج «رايق» وسليم

تستطيع أن ترى الإنسان العربي وهو يستقبل في العام الجديد كل ما يلم به من مشكلات، وبعضها يقترب من تخوم الكوارث، وكأنه يردد مع خالد الذكر سيدر درويش بكلمات بديع خيري (صبح الصباح فتاح يا عليم، والجيب ما فيهش ولا مليم، بس المزاج رايق وسليم، باب الأمل بابك يا رحيم).
إنه الأمل في الله، وهو الذي يمنحنا القوة ويعدل المزاج ليصبح رائقًا «وعال العال»، تفاصيل كثيرة نعيشها في عالمنا العربي عكرت صفاءنا النفسي، وخصمت الكثير من تلك الأريحية ونزعت بعضا من روح السخرية، التي كان يتمتع بها كُثر من العرب، بل ويتباهون بها مثل المصري، المعروف بأنه حتى في أحلك الظروف «ابن نكتة».
متغيرات مختلفة وضربات متباينة قلصت هذا الإحساس الدافئ، صراع هنا ودماء هناك وانفلات في الألفاظ والحركات يبثها الإعلام بين الحين والآخر، صار التجاوز هو القاعدة والانضباط هو الاستثناء، معدل الإحباط ارتفع بعد ثورات الربيع العربي هذا حقيقي، لأنك عندما ترتفع أحلامك ويخذلك الواقع تُصبح معرضا أكثر للتراجع في معدل التوازن النفسي، كانت الآمال تطرق الباب بقوة إلا أن النتائج لم تأت بما تشتهي السفن، عشنا إحباطا جماعيا، الشعوب العربية في تونس ومصر واليمن وسوريا مع اختلاف الدرجة وقعت تحت ضغط هذا الإحساس القهري، كارهو الثورة يقولون إنها المسؤولة، بينما الحقيقة أن الثورة التي نادت قبل خمس سنوات بتحرر الشعوب ورفعت شعار «عيش، حرية، عدالة اجتماعية» لا يمكن أن نحملها هذا الوزر، ولكنه غياب الاستراتيجية وتقليص مساحة الحرية، هو الذي أدى بنا إلى هذه الحال.
مثلا انخفاض أسعار النفط عالميا، يؤدي بالتأكيد إلى مأزق عربي وليس فقط خليجيا كما قد يتصور بعض قصار النظر، لأن نسبا كبيرة من العاملين في البلاد النفطية عرب وتحويلاتهم المالية إلى ذويهم بالعملة الصعبة تشكل جزءا كبيرا من القوة الاقتصادية لتلك الدول، ناهيك بالمساعدات الخليجية المباشرة بأموال بعض منها لا يرد، ولا تنس «داعش» التي لا تتوقف عن التهديد والوعيد، صحيح أنها تتلقى ضربات موجعة وعلى كل المستويات العسكرية والاقتصادية، بل والدعائية، وتابعنا كيف أن «الميديا» لعبت دورا في الرد على نشيد «صليل الصوارم» الذي يردده الداعشيون، أحاله «النت» إلى أغنية ساخرة تتصدي لصليلهم بعد أن صار أضحوكة عبر الفضائيات.
لديكم مثلا التشكيل النهائي لمجلس الشعب المصري الذي يفتتح الأحد المقبل، تكتشف أن عددا ممن أهانوا المصريين وهتكوا الأعراض في الفضائيات وهددوا بالضرب بالأحذية لمن يخالفهم الرأي، بعض من هؤلاء في غمضة عين صاروا في مجلس الشعب متمتعين بالحصانة التي يقرها الدستور، والغريب في الأمر أن مصر تعيش أزمة تهديد للحياة في أعز ما تملكه وصارت تُعرف بأنها «هبة النيل» وعلى الجانب الآخر يجري العمل على قدم وساق لتشييد سد النهضة الإثيوبي، بينما وزير الخارجية سامح شكري اعتبر أن المعركة الأساسية هي ميكروفون قناة «الجزيرة» وأزاحه من أمامه في حركة تمثيلية أكثر من مرة. بالمناسبة، لي تحفظات كثيرة على قناة «الجزيرة»، ولكن لا أجد أي منطق دبلوماسي لخلق معركة مع ميكروفون، وهو ما دفع كُثرا من المصريين ما بين مؤيد ومعارض إلى اعتبارها مادة تستحق زخات من السخرية، لتؤكد رغم كل الضباب أن المزاج لا يزال «رايق وسليم، والجيب ما فيهش ولا مليم».