مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

تف عليك حامضه

للجاحظ كلمة مأثورة يقول فيها: «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي، والبدوي والقروي»، وهو صادق فيما ذهب إليه، ولكن كيف نصوغ تلك المعاني ونجعلها مؤثرة؟ هنا مربط الناقة لا الفرس.. أن الكلمة المنطوقة أو المكتوبة ما هي إلا إشارة اصطلاحية، وقد يقول قائل: إنها لا تملك من قوة التأثير إلاّ ما اتفق عليه الناس، وهذا منطقي إلى حد ما، ولكنه ليس صحيحًا على وجه الدقة، فليس كل ما اتفق عليه الناس لا بد أن يكون صحيحًا.
المشكلة الحقيقية هي أن الإنسان الفرد يحيا دون أن يرى نفسه بما فيه الكفاية، ويا ليته يضع أمامه دائمًا مرآة، فساعتها إما أن يشيح بوجهه عنها، أو يبصق على صورته فيها، أو يحطم المرآة كلها بقبضته، أو يضحك على نفسه وذلك أضعف الإيمان.
مسرحية «في انتظار غودو» لبكيت، يطرح من خلالها أسئلة ولا يجيب عنها، ومع ذلك قال عنها النقاد إنها أكثر المسرحيات حزنًا وإضحاكًا.
ففي كل إنسان نقطة ضعف، وفي كل عمل شيء من النقص، والحياة ممتلئة بالمفارقات، والإنسان بطبعه فيه الكثير من الغرور، وهو يحب أن يضحك على غيره، ويكره أن يضحك أحد عليه.
يقول العقاد: إن الأطفال المستضعفين هم أكثر الناس بكاء لأنهم أقلهم اقتدارًا. وأنا أقول: إن الأطفال كذلك هم أكثر الناس ضحكًا لأنهم أكثر الناس استمتاعًا بالحياة. ويحق لي أن أتمنى مثلما تمنى قيس بن الملوح عندما قال: يا ليتنا لم نكبر ولم تكبر البهم.
هل تعلمون أن الضحك هو أقصر مسافة بين شخصين، وأن الابتسامة الصادقة هي أسرع من سرعة الضوء للوصول إلى القلب؟!
ولا يمكن أن أنسى ما ذكره لي أحدهم عندما قال لي: «لا بد وأن يحصل أبنائي كل يوم على جرعة كافية من الفكاهة، فهي التي تخفف وقع أسوأ الضربات التي تكيلها لنا صروف الدهر». ومن جانبي أقول: نحن لا نعدو إلا أن نكون ضيوفًا طارئين على هذه الحياة، وماكثين فيها وقتًا قصيرًا جدًا، فإذا كان هذا هو الحال، فلنقتطف منها على الأقل خلال تلك الفترة، أكبر قدر ممكن من البهجة والضحكات، حتى لو تخللتها بعض الدموع.
وصدق من قال: «كن جميلاً ترى الوجود جميلاً»، لأنك لو كنت قميئًا ومتبرمًا ومحتقنًا، فلن تكون جميلاً حتى لو لبست أفخر الثياب، ولن تكون سعيدًا حتى لو ركبت أغلى السيارات، وسكنت أروع القصور، وأحاطت بك من كل جانب الغيد الحسان.
الآن، الآن فقط انتبهت على حالي بعد هذا الركض من الكتابة وعرفت أني مضيّع الجادة، عندها تذكرت المثل القائل: «تف عليك حامضه».
ويا مشعل (يا زينك ساكت).