لست من المقتنعين تمامًا (بعلم النفس)، لأنني كلما تعمقت بنظرياته أصابتني الكآبة أكثر - وأنا بصراحة ماني ناقص -، إنني ما خلقت إلا لكي أكون طروبًا ولعوبًا وفرحًا ومتهكمًا وناقلاً للوشايات كذلك، وقبل ذلك كله بالطبع أن أكون عابدًا لله تعالى، مثلما أمرني وأمر الناس جميعًا. ولكن (بالسنة حسنة) يا دوبك، أستمتع أحيانًا بتعذيب نفسي بين الحين والآخر بقراءتي في كتب علم النفس السخيفة، مثلما حصل لي بالأمس عندما كنت أقرأ كتابًا لـ(سيغموند فرويد)، ووصلت فيما وصلت إليه إلى جملة يؤكد فيها بالحرف الواحد قائلاً:
لكي يتمتع الإنسان بعقل سليم، يجب أن يكون قادرًا على أن يحب، وقادرًا في الوقت نفسه على أن يعمل.
توقفت عند هذا الحد، وأغلقت الكتاب، وأخذت أسأل نفسي سؤالاً عسيرًا: هل أنا أتمتع بعقل سليم يا ترى؟! وكيف يتأتى لي أن أعرف ذلك، رغم أنني على يقين أنني أحب، فمن هذه الناحية (خذوا ولد)، فما أكثر ما أحببت من البشر والحيوانات والأشجار والثمار والأزهار والأنهار والبحار والجمادات، بل إنني أحب حتى الظواهر الطبيعية من زلازل وعواصف وبراكين، شريطة أن تكون بعيدة عني.
أما من ناحية العمل، فما أكثر ما عملت (عمّال على باطل)، وما أكثر ما أصلحت وخرّبت وحشرت أنفي فيما لا يعنيني، وأكلت على رأسي، ولم أهتدِ وأَسِرْ على صراط الصالحين، ولكنني مع ذلك أطلب من الله العفو والعافية، ومعهما على الأقل شيء من المسرّات التي تفتح النفس، وتجعل للحياة معنى ومغنى.
أعود لموضوعي أو سؤالي العبيط: هل أنا فعلاً أتمتع بالعقل السليم رغم حماقاتي وغرامياتي وخربشاتي على الأوراق؟!
إنني أشك في ذلك جدًا، بل وحتمًا وجزمًا. ولكن هل تصدقون أنني مستمتع جدًا بعقلي هذا الذي يلوح أو يحذف (بالدركسون) على جنب؟! لا أريد أن أكون عاقلاً جدًا، ولا كذلك مجنونًا جدًا، أريد أن أكون مثلما أنا الآن: مجنون، ولكن على خفيف.
***
حقًا إن أسعد وأفدح (فقر) في هذه الدنيا كلها هو: (الوحشة)، وشعورك بأن لا أحد هناك يكترث بك.
***
فوق أحد مباني الحكومة الهندية (بنيودلهي) كتبت العبارة التالية:
إن الحرية لن تهبط إلى الناس، بل يجب أن يرتفع الناس بأنفسهم إلى الحرية، وإنها نعمة يجب على الإنسان أن يكسبها، قبل أن يتمتع بها.
***
«من السهل أن يفهم الحب من النظرة الأولى، ولكن العجيب، والعجيب حقًا أن تدوم تلك النظرة بين شخصين سنوات طويلة» (!!) ومن وجهة نظري البحتة (فالحب من أول نظرة) لا يعدو أو لا يزيد عن تشخيص طبيب لمريض بناء على مصافحته، إلا إذا كان ذلك المريض مصابًا (بالجدري أو الزحار).
11:53 دقيقه
TT
مجنون ولكن على خفيف
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
