إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

عن عبد الرزاق عبد الواحد

لم يبدأ الجدل حول الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد بعد لحظة إعلان رحيله، في باريس، قبل أيام. إنه السؤال الممض الذي ظل يدور خلال العقود الأخيرة من حياته. هل تشفع له موهبته الكبيرة في غض النظر عن مدائحه لحاكم فرد متفرد في القرار؟ وماذا يبقى من تراث الشاعر إذا رُفعت منه عشرات القصائد التي قالها في صدام حسين وأودعها مجلدين؟
سألته، في إحدى زياراته لباريس: «كيف يمكن لشاعر أن يوقف قصائده على مديح الحاكم؟». أجاب: «إن المديح من صميم تراث الشعر العربي. لقد كان المتنبي شاعر سيف الدولة وأجمل ما في شعره هي عناصر البطولة التي أسقطها عليه. وأقسم لك أن أجمل ما في شعري هو عنصر البطولة الذي أسقطته على صدام حسين، لأنني اتخذته رمزًا للقائد العظيم وكتبت فيه ما أتمنى أن يكون عليه الإنسان العربي العظيم. وإذا كان هناك ما سيخلدني في المستقبل فهو هذه القصائد. لقد قلت في صدام شعرًا لم يقله المتنبي في سيف الدولة».
قرأنا، في كتب التراث، عن شعراء التكسّب الذين كانوا يدبجون قصائد المديح للحاكم طمعًا بأن يلتفت إلى حاجبه ويأمره: «أعطه ألف ألف دينار». يتناول الشاعر صرة الدراهم وينصرف مسرورًا. لكن عبد الرزاق عبد الواحد، في المقابلة نفسها، أشار إلى أنه تفرغ طوال سنة وأربعة أشهر لصياغة الترجمة العربية لـ«كنزاربا»، الكتاب المقدس لطائفته، الصابئة المندائيين. وقال: «لم أتقاضَ عنها أجرًا وقطعت علاقاتي بمجلات وجرائد في الخليج والأردن كنت أُراسلها لأستعين على معيشة أسرتي».
استغربت كلامه وسألته: «هل يعقل أن شاعر الرئيس صدام يضطر - وهو في السبعين - إلى الكتابة الصحافية ليعيش؟».
أجاب: «إن الذين يكتبون عن بلدنا وهم خارجه لا يمكن لهم أن يتصوروا كيف نعيش. فالذي يقف خارج المجمر ليس كالذي يقبض على النار بيديه. أنا موظف مثل سائر الموظفين في الدولة، وليس لي أي مورد آخر. وقبل أشهر قلائل جرى تخصيص رواتب مضافة للشعراء لتسد بعض نفقات حياتهم. وقد كان مرتبي السابق يعادل بضعة دولارات، والمرتب الجديد يساوي نحو المائة دولار في الشهر. وأنا عندي عائلة كبيرة، وليس لي من مصدر للعيش غير مرتبي، وليفهم الناس أنني شاعر وطن ولست شاعر أي شيء آخر، وليتوقفوا عن إطلاق التسميات عني على كيفهم. وأقول من المنبر الذي سينشر هذا الكلام إنني لا أتقاضى من أحد شيئًا، والمكرمات مقطوعة عني وأعيش بمرتبي وبما أنشره في الصحافة، والعراق أمامي لا أقايض عليه ولا أساوم».
ظهرت المقابلة الطويلة في هذه الصحيفة، «الشرق الأوسط»، في فبراير (شباط) 2001، في عهد صدام. وبعد انهيار النظام انقلب كثير من المداحين ضده. أما عبد الرزاق عبد الواحد فقد ظل على موقفه ولم ينطق بحرف يخالف ما نظمه من قصائد، بل أضاف قصائد جديدة وكتب راثيًا صدام حسين بعد إعدامه. معنى هذا أن الرجل مؤمن بموقفه، والأمر ليس مجرد عناد أو مكابرة. ولعل هذا الموقف هو الذي جدد الجدل حوله وأشعل مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاته. فقد رفض اتحاد الأدباء في العراق إصدار بيان ينعى فيه شاعر «قادسية صدام». الأمر الذي دفع عددًا من الأدباء المعروفين إلى إعلان انسحابهم من الاتحاد احتجاجًا وانتصارًا لأديب عراقي لا خلاف على شاعريته، اعترفت أوساط عربية وعالمية بمكانته وكرمته ومنحته أوسمتها، وفي مقابل ذلك، صب آخرون اللعنات عليه لأنه وقف مع «الديكتاتور» وكان حنجرة مجندة في المعارك وما جرّته من مآس لم تنته حتى يومنا هذا.
لعل ما كتبته الشاعرة لميعة عباس عمارة في رثاء ابن عمتها عبد الرزاق عبد الواحد، يختصر الكثير. قالت: «أحبَ وظل وفيًا لمن أحبَ حتى بعد موته، ولم يلتمس المغفرة بادعاء التوبة من ذلك الحب كما فعل غيره. قصائده ذوبَت قلبه حتى نفد القلب، واستراح المعذب في صدره، وانتهى الحب والكراهية».
كم هي معقدة معادلة الحب والكراهية عند العراقيين!