TT

عقدة الافتراض

ألم تتساءل لماذا افترضت أن تلك النظرة البريئة من أحد المارة كانت نظرة تعالٍ أو ازدراء لشخصك الكريم؟ لماذا افترضت أن مديرك السيئ سبب كافٍ لتركك وظيفة أفنيت بها حياتك؟ لماذا لم تفترض أن سلوكه السيئ سينكشف عاجلا أم آجلا فيُرغم المدير على ترك العمل، وليس المتفانون في عملهم من حوله؟ لماذا نُصدم حينما نكتشف أن بائعًا منح خصمًا أكبر لمشترٍ آخر للسلعة نفسها التي اشتريناها في اليوم نفسه؟ ألسنا نحن من افترضنا أن سعرنا هو أقصى ما يمكن أن يقدمه البائع؟
نحن نعيش في الواقع «عقدة افتراض» أمور ليس لها أساس من الصحة، فندفع ثمن ذلك لاحقًا.. نفترض أن محاولة طلب زيادة مشروعة في الراتب أو ترقية لن تجدي نفعًا مع هذا المدير، ثم نفاجأ بأن زميلاً آخر قد نال مبتغاه في ثوانٍ، لأنه حاول ولم يستسلم لعقدة الافتراض التي تهيمن على تفكيرنا. أحيانا لا يفصلنا عن مبتغانا سوى لحظة محاولة من دون التسليم بافتراضات خرافية لا وجود لها سوى في مخيلتنا. هناك فارق كبير بين الافتراض والحقيقة؛ فالأول يحتمل الصحة والخطأ، غير أن الحقيقة مجردة.
تعلمنا في فن التفاوض ألا تفترض أن خصمك سيرفض طلبك. في هذه الحالة لا يبقى أمامك سوى محاولة قطف الثمرة. وما المشكلة حينما نخفق في قطف ثمار يانعة، فالحياة سلسلة من المحاولات، أنجحنا فيها أكثرنا محاولة.
المشكلة أن عقدة الافتراض هي أيضًا منشأ التقصير. فمن يفترض أنه لن ينهي السباق أو المباراة أو المشروع لصالحه، سيتراخى، فيما سيسبقه الجادون إلى خط النهاية.
هناك من يجاهر بافتراضات ليس لها أساس من الصحة ليتهرب من تحمل المسؤولية، كمن يدندن بعجزه عن إتمام مشروع معين بحجة قلة عدد الموظفين. وهنا يجدر بالقيادي الحاذق أن يستل ورقة الافتراضات الوهمية من فريق عمله، ويسمح لهم باللعب ببطاقات أكثر واقعية.
إن عقدة الافتراض السلبية تتعارض مع مبدأ الأخذ بالأسباب، وهي سنن كونية توصل الفرد في كثير من الأحيان إلى مبتغاه.. فمن أفنى جل وقته في بناء ناطحة سحاب جمع لها أفضل خبراء البناء والأمن والسلامة، لا يعقل أن يتساوى جهده مع المتراخي الذي افترض أنه لا يحتاج إلى مجهود سوى زعمه التوكل على خالقه، ونسي أن مبدأ التوكل مقرون بالأخذ بأسباب النجاح.