ميرزا الخويلدي
كاتب و صحفي سعودي
TT

«سوق عكاظ».. ملتقى الحياة

بعد تسع سنوات من عودة الروح إلى «سوق عكاظ» الذي كان ذات يوم «أكاديمية» عربية للشعر والأدب والفروسية، ما زال هذا السوق يجّد الخطى في مسيره نحو المستقبل، في حين تترسخ جذوره في الماضي.
هي معادلة صعبة!. ولذلك أطلق على السوق مبكرًا وبلغة طموحة «ملتقى الحياة»، لأن لديه الإمكانية لتحويل المنتج الثقافي والأدبي إلى عناصر حياة باذخة بالثراء. كان الشعر يومًا في «عكاظ» وعلى مدى قرنين من الزمان مناسبة للمبارزة الشعرية، والتفاخر بالأنساب والبطولات، لكنه تمكن أن يمنح الكلمة عزتها وقوتها وروحها التي تمتد عبر القرون، وهو اليوم يمنح المكان والزمان حياة جديدة توفر مساحات للتفكير، ومساحات للعمل والإنتاج أيضا.
يمثل سوق عكاظ اليوم ملتقى للثقافة السعودية، ويمكن أن يعبر بها نحو العالم، وهو يؤكد الحاجة لإعادة اكتشاف الأماكن والمواقع والشخصيات التاريخية والأدبية التي عاشت في الجزيرة العربية ومثلت علامة فارقة على هامة الإبداع العربي، فبلادنا تحفل بالكثير من المواقع التي احتضنت الذاكرة العربية، تاريخًا وتراثًا وشعرًا، مثل ديار حاتم الطائي في حائل، وأطلال «خولة» التي طالما تغنى بها طرفة بن العبد في نجد، ومرابع عنترة بن شداد في القصيم، وذكريات ابن المقرب العيوني في الأحساء. وكلها يمكن أن تمثل ذاكرة نابضة بالتاريخ والأدب وشاهدة على أصالة الإنسان وتجذره.
قبل 13 قرنًا من الزمان كان سوق «عكاظ» يمنح علامات الجودة للنص الشعري، في حين كان يمنح الشعراء مسرحًا بصريًا يستعرضون فيه مهاراتهم اللغوية والبلاغية. وحين استفاق من غفوته الطويلة بعد 1300 سنة عاد سوق عكاظ في موقعه التاريخي في «العرفاء» شمال شرقي مدينة الطائف، ليفتح نافذة واسعة تطل نحو المستقبل وآماله وطموحاته، واضعًا من التنمية الثقافية مادة لنقاشاته ومن الحوار مدخلاً لصياغة أفكاره وتطلعاته خلق فضاءات حرة أمام مثقفيه.
لم تعد «عكاظ» حكرًا على النابغة الذبياني حيث كانت تضرب له قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء لتعرض عليه أشعارها، قبل سبعين عاما من الهجرة. ولم تعد تقتصر على منح العرب موسمًا سنويا للشعر والأدب والتعريف بالشعراء وإجازة النوابغ ووضع موازين للقوافي ومعايير للأدب الرفيع، وانتخاب أفضل القصائد لتصبح من المعلقات. هي اليوم تستعيد كل ذلك ولكن تضيف لها مناقشات جادة ورصينة في التنمية الفكرية والثقافية، ومنح الشباب فرصة للحوار مع صنّاع القرار من مسؤولين تنفيذيين بينهم وزراء ومسؤولين من قطاعات الدولة.
إلى جانب ذلك يبقى الشعر سيد المشهد، فهناك يقف شاعر «عكاظ» الذي يتلمس طريق الشعراء العرب الكبار من أمثال الأعشى، وامرؤ القيس، وعنترة بن شداد، وزهير بن أبي سلمى، وطرفة بن العبد، والخنساء، كما يقف بعده شاعر يمثل الشباب الذين قرأوا القصيدة العربية ونسجوا على منوالها. وفي جادة «عكاظ» تمر مواكب الشعراء والفرسان تلقي الشعر وتقرض القصيد، وليس بعيدًا عنهم تعقد المساجلات والأمسيات الشعرية، أما المسرح فهو اللغة البصرية الحديثة الذي يعيد إنتاج سيرة إعلام «عكاظ» برؤية عصرية، وبسياق حديث.
كانت «عكاظ» التي ابتكرها العرب ضمن ثلاثة أسواق في الجاهلية: «عكاظ، ومجنة، ذي المجاز» موسمًا للثقافة والأدب، وهي اليوم تعيد صياغة ذاتها بلسان الحاضر وعنفوان الماضي.