سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

موسكو ليست جمعية خيرية

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه سوف يقدم القمح بالمجان إلى الدول الأفريقية، ولا بد أن هذه هي المرة الأولى التي تكتشف فيها عواصم القارة السمراء أن رغيفها ستقدمه موسكو، وأن ذلك سيكون مجاناً بلا ثمن تدفعه من فلوسها. لقد أعلن الرجل ذلك خلال مؤتمر روسي أفريقي في عاصمة بلاده في العشرين من هذا الشهر، فسارعت وكالات الأنباء تنقله عنه في كل الأرجاء.
ولم يشأ بوتين أن يتوقف في عطاياه عند هذا الحد، ولكنه ذهب إلى القول بأن بلاده ستسقط ديوناً عن أفريقيا تصل في قيمتها إلى ما يقرب من عشرين مليار دولار.
أما فيما يخص القمح، فالخوف أن يتصرف الرئيس الروسي بالطريقة التي كان صاحب المطعم إياه قد تصرف بها، عندما علّق على باب مطعمه لافتة تقول: الأكل غداً بالمجان.
وكانت خدعة طبعاً، وكان الخداع في اللافتة نفسها أكثر مما هو في شيء آخر؛ لأن الرجل كان كلما جاءه زبون يطلب الأكل بالمجان، أخذه إلى الباب وأفهمه بلطف أن اللافتة تقول غداً لا اليوم، فإذا انصرف الزبون حزيناً ثم جاء في الغد يملؤه الأمل في وجبة مجانية، اكتشف أن للغد الجديد غداً آخر يتبعه، وهكذا تمضي الأيام بين يوم وغد إلى يوم القيامة بغير توقف ولا انقطاع .
ورغم أن العرض الروسي براق للغاية من حيث الشكل فإن الأمور تؤخذ في الغالب بمضامينها لا بأشكالها، مهما كانت الأشكال بديعة وجميلة.
ولم يسمع أحد طبعاً أن روسيا تحولت من دولة إلى جمعية خيرية، ولا سمعنا أن موسكو نامت ثم أصبحت توزع الغذاء بلا مقابل على القارات، وعندما يحدث هذا التحول سوف نصدق ما قاله الرئيس الروسي، وسوف لا نتوقف عند كلامه في مثل هذا الشأن، فضلاً عن أن نشكك فيه.
والغريب أن بوتين نفسه كان من فترة قد أعلن عن هذا الأمر، ولا أحد يعرف لماذا قرر العودة إليه من جديد، ولا أحد يعرف أيضاً ما إذا كان الموضوع في المرتين السابقة والحالية قرار صادر عن صاحبه، أم أنه فكرة تراوده، أم أنه ماذا على وجه التحديد؟
ولكن ما نعرفه أن الرئيس السنغالي ماكي صال، رئيس الاتحاد الأفريقي السابق، كان قد ذهب إلى موسكو في بدايات الحرب الروسية على أوكرانيا، وكان قد راح يناقش قضية واحدة مع سيد الكرملين، وكانت هذه القضية هي ألا يتوقف تصدير القمح الروسي إلى القارة السمراء؛ لأنها ربما تكون مهددة بالجوع إذا ما توقفت صادرات القمح الروسي إليها.
كان الرئيس صال يتحدث وقتها بصفته الأفريقية أكثر مما يتحدث بصفته السنغالية، والمعنى أنه كان يطلب القمح للقارة التي كان يتولى رئاسة اتحادها، أكثر مما كان يطلبه لبلاده الواقعة غرب القارة، ونذكر أن موسكو كانت قد وعدته خيراً فيما راح يطلبه.
وكان مطلبه أمراً غريباً في حد ذاته، بل كان يدخل في نطاق المفارقات السياسية التي لا يمكن نسيانها ولا استيعابها؛ لأن هذه القارة هي الأغنى بين قارات الدنيا من حيث المساحة الصالحة للزراعة، ومن حيث الماء الصالح للري في نهر الكونغو وفي غير نهر الكونغو، ومع ذلك، فما كان يطلبه صال من بوتين كان يبدو وكأن أفريقيا لا فيها أرض، ولا فيها ماء، ولا فيها شيء ينفع للحياة.
وما يقال عن القمح المجاني يقال بالدرجة نفسها عن العشرين مليار دولار، التي لا نعرف كيف ستتوزع بين دول القارة، ولا كيف سيكون إسقاطها عن العواصم المدينة لموسكو؟
ويمكن اعتبار قصة العشرين مليار دولار مع قصة القمح المجاني، من قبيل الغزل السياسي الذي ينهال على أفريقيا من كل اتجاه هذه الأيام.
وليس أدل على هذا الغزل، ولا على قوته، ولا على تواصله، إلا ما قاله سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، عندما زار الخرطوم ضمن جولة أفريقية له قبل أسابيع. لقد قال وهو يغادر العاصمة السودانية إنه وجد ستة مبعوثين دوليين في انتظاره هناك، وأنه لم يكن يتوقع أن تطارد بقية الدول بلاده إلى هذا الحد، ولا أن تظل تلاحقها في خطواتها إلى هذه الدرجة.
والحقيقة أن الزائرين الدوليين الستة لم يكونوا يلاحقون موسكو، ولا كانوا يطاردونها، ولكنهم كانوا ضمن توجه عالمي يبدو وكأنه يكتشف وجود أفريقيا على الخريطة للمرة الأولى.
وما يقول الرئيس الروسي إنه سيقدمه للقارة من قمح أو من ديون سوف يسقطها، هو عمل سياسي مجرد في حقيقته وفي مضمونه، ولكنه يضع القناع الإنساني على وجهه، ويخلط بين السياسة والعمل الخيري، ويوظف الثاني لخدمة الأولى، ولا يجد حرجاً في أن يفعل ذلك أو يعلنه.
إن أفريقيا تتشكل من 54 دولة، وكل هذه الدول أعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعددها يصل إلى ما يزيد على ربع عدد الدول الأعضاء في الجمعية، وعند عرض أي قضية روسية هناك في نيويورك، سوف تنتظر روسيا من دول القارة ما يقابل القمح والديون الساقطة، وسوف لا يقال هذا صراحةً بالطبع، ولكن الممارسات الأفريقية سوف تتكفل هي وقتها بأن تقوله.
وهكذا سوف تكتشف القارة السمراء أنها لا تملك فقط الأرض التي توازي في مساحتها مساحة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والصين مجتمعة، ولا تملك الماء الذي يتدفق في أكثر من نهر وحسب، ولا تملك المعادن بكل أنواعها في باطن أرضها وكفى.
سوف تكتشف أنها تملك هذا كله وغيره معه، ولكنها في الوقت ذاته تملك من الأصوات في الجمعية العامة ما لا تملكه قارة سواها.
وهذه الأصوات لها وزن سياسي طبعاً، وليست أصواتاً تصب في فراغ عند الضرورة، ولكنها قادرة على أن يكون لها أثر في أروقة وقاعات المنظمة الدولية، ويريد الرئيس الروسي أن يجعلها معه، وهو يخوض حربين: واحدة على الجبهة مع أوكرانيا، وأخرى في المنظمات الدولية مع حلفاء أوكرانيا ورعاتها.
ولا يمكن النظر إلى قرار توقيفه الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية، إلا على أنه مفردة من بين مفردات في الحرب الممتدة بينه وبين رعاة وحلفاء أوكرانيا، وإلا على أنه معركة من بين معارك تتواصل مع هؤلاء الرعاة منذ بدء حربه على أوكرانيا في السنة الماضية.
ومثل هذه المعارك في حاجة إلى تحشيد سياسي من الطرفين على مستوى العالم، ولا تزيد وعود القمح المجاني والديون التي ستسقط، عن أن تكون طوبة مضافة في هذا التحشيد على الجانب الروسي؛ لأن المكاسب على الجبهات لا بد أن تصادف ما يحميها في عالم السياسة.
القمح في حالتنا وجبة على كل مائدة أفريقية، ولكنه ورقة سياسية في يد القيصر في موسكو، والديون المستحقة على عواصم القارة السمراء للعاصمة الروسية واجبة السداد، ولكن القيصر يغازل بها ويستخدمها، ولا وجود للمجانية في الموضوع حتى ولو لوّح بها الرئيس الروسي، لأن المجانية لغة لا تتكلمها الدول في علاقاتها مع بعضها البعض.



عاجل استقالة مديرة جهاز الخدمة السرية الأميركية بسبب حادث إطلاق النار على ترمب