د. محمّد النغيمش
كاتب كويتي
TT

الحمام الزاجل... وقوة المعلومة

مَن كان يتوقع أنَّ سرباً من الحمام الزاجل كان وراء انطلاقة حقيقية لأشهر وكالة أنباء في التاريخ (رويترز)؟ فبعد التلغراف وجد رويترز المؤسس ضالّته بإرسال نحو 200 حمام زاجل يجوبون الأرض بحثاً عن معلومات من المراسلين.
ليس هذا فحسب، بل إن أحد أشهر المستثمرين في بورصات الأسهم اليهودي ناثان روتشيلد قد اشتهر بجمعه المعلومات عبر الحمام الزاجل، والتي ساعدته في تضخيم ثروته، في القرن الثامن عشر، وكانت تهمه المعلومة لتحسين محفظته، رغم أنه سليل إحدى أغنى الأسر التجارية في التاريخ البشري الحديث. يُروى أنه عرف بخبر انتصار الإنجليز على الفرنسيين في معركة «ووترلو» قبل الجميع فتضاعفت محفظة أسهمه ليجني مزيداً من المال. بغضّ النظر عن دقة المعلومة، فالثابت أن من يعرف أكثر تصبح فرصته في التقدم نحو الاتجاه الصحيح أكبر من غيره. فما أكثر مَن يتخبطون لأنهم لا يسمحون بحرية تداول المعلومات أو يزعمون أنهم أفهم من غيرهم. هي باختصار معادلة السير نحو الهاوية عندما يحذّرك الجميع وتتجاهلهم بكل برود في طريقك باتجاه حتفك.
قوة المعلومة هي التي دفعت بلداناً إلى تأسيس أشهر وأغلى مراكز التجسس في أوطانها وفي الخارج، لمعرفة الأحداث قبل وقوعها. فالمعلومات قوة ليست للدول فحسب بل حتى للأفراد العاديين والمسؤولين. ذلك أن المعلومة تقرّبنا من القرارات الرشيدة، وتُبعدنا عن المجازفات الحمقاء. المعلومة تدفعنا إلى التراجع عن مخاطرة، بعد ورود أنباء. فخمس كلمات خبرية كفيلة بخسارة مستثمرين المليارات في البورصة، مثل إعلان الدولة الفلانية شن حرب على جارتها، ناهيك بتهديد العالم.
المعلومة توفر الوقت والجهد، وتصحح خللاً جسيماً، وتُوقف سيل الإشاعات والخرافات. وكم من معلومة تصدّت لكرة الثلج قبل أن تتدحرج نحو نهاية مأساوية. والمتأمل للمبدعين يجدهم يتحركون في فلك المعلومات أحياناً. فلولا قوانين الفيزياء لما حلّقت الطائرة ولما سمعنا أول صوت بشري يأتي عبر أثير الهاتف والتلفاز.
وخيالات المعلومات كانت تَلوح في أذهان البشر، حيث جسدها الروائي الإنجليزي جورج أورويل في روايته الرائعة «1984»، التي نشرها في الأربعينات، عندما تنبأ في أحداثها بأن الحكومات سيكون في مقدورها مراقبة الشعب عبر كاميرات مخفية في عام 1984، وقد تحققت نبوءته بحذافيرها. وربما أشهر تجسيد لها كان في المسلسل الكويتي الخالد «خالتي قماشة» الذي كانت بطلته «المتسلطة» حياة الفهد تراقب يوميات أبنائها المتزوجين في غرف نومهم من خلال كاميرا خفية حتى افتضح أمرها، بعدما تتبعت بنتها المتعلمة سعاد عبد الله «سلكاً كهربائياً» يأخذها إلى غرفة نوم الجدة (سيدة الشاشة الخليجية) حيث عثرت بالصدفة على الريموت كنترول الذي فتحت به عن بُعد جداراً متحركاً كشف عن شبكة شاشات للمراقبة أُخفيت خلفه!
والجدة كنايةٌ رمزية عن حكومات العالم التي كانت تخاف من المعلومات التي يتداولها الناس بوصفها تشكّل تهديداً، لكنّ عامل الوقت وفضاء الإنترنت أثبتا أن ذلك لم يهدد بانهيار البلد. فما يضر الحكومة عندما يعبّر حفنة من الناس عن تذمرهم من خدمات ليعيد المسؤولون النظر في أدائهم؟
منذ فجر التاريخ كانت المعلومات مهمة للفرد ومؤسساته. عندما تتوقف معلومات الإنسان يذبل، ويذهب رونقه، وتقل تنافسيته. فأولئك الذين ركنتهم الحياة وبيئات العمل لم يجددوا معلوماتهم، فدفعوا الثمن غالياً. كان يظنون واهمين أن «المناصب» وحدها ستبقيهم في دائرة المنافسة.