حمد الماجد
كاتب سعودي وهو عضو مؤسس لـ«الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان السعودية». أستاذ التربية في «جامعة الإمام». عضو مجلس إدارة «مركز الملك عبد الله العالمي لحوار الأديان والثقافات». المدير العام السابق لـ«المركز الثقافي الإسلامي» في لندن. حاصل على الدكتوراه من جامعة «Hull» في بريطانيا. رئيس مجلس أمناء «مركز التراث الإسلامي البريطاني». رئيس تحرير سابق لمجلة «Islamic Quarterly» - لندن. سبق أن كتب في صحيفة «الوطن» السعودية، ومجلة «الثقافية» التي تصدر عن الملحقية الثقافية السعودية في لندن.
TT

تسييس الزلازل وصكوك العقوبات

تخيلوا أن بيتاً اندلع فيه حريق كبير وانحشر أهل البيت؛ صغاراً وكباراً، داخله، مهددين بخطر الاحتراق بلهيب النيران أو الموت اختناقاً بسبب انبعاث الأدخنة السامة، فهبَّ الجيران للنجدة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح والممتلكات، إلا واحداً من الجيران؛ شغل نفسه وشغل الحي وساكنيه بالحديث عن سبب اندلاع الحريق في هذا البيت بالذات دون سائر بيوت الحي، وبأن ثمة شيئاً ما ارتكبه أهل هذا البيت جعلهم يستحقون ما «أصابهم».
هذا السيناريو نسمعه دوماً بعد كل كارثة طبيعية تحدث على كوكبنا، مثل زلازل تركيا وسوريا، وتسونامي إندونيسيا واليابان، وحرائق الغابات في أميركا والمغرب والجنوب الأوروبي، وكذلك انتشار الأمراض والآفات والأوبئة؛ وآخرها وباء فيروس «كورونا» الذي عمّ وطمّ وأهلك الحرث والنسل بانتشاره المذهل وسرعة تحوراته... وهات يا تفسيرات وتأويلات وتهديدات وإسقاطات يُفَصِّلُها أصحابها على ضحايا الكوارث كما يُفَصِّلُ أحدنا قميصه.
فإن حدث تسونامي بحري فبعضهم يقطع يقيناً بأن الكارثة بسبب شواطئ البكيني وحفلاتها الساخنة، وإذا زُلزلت إيران زلزالها فبسبب نظامهم، وإن تزلزلت منطقة الأصنام في الجزائر أو أغادير المغربية فبسبب توافد «الأجانب» بفسادهم وشرابهم وعريهم... ولأن هذه المناطق مكتظة بالمسلمين؛ فيأتي الفرز الأخير ليقسم الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط عليه عقوبة، وفسطاط آخر بلاء من دون عقوبة... بل إن الدائرة تضيق لتشمل الابتلاءات الفردية، كالأمراض الخطيرة، مثل السرطان وحوادث السيارات والانكسارات البدنية والمالية والوظيفية، فلا تمر من عند البعض دون «الجزم» بأنها بسبب كيت وكيت وذلك وذينك، وهذا معاقب وذاك مبتلى...
صحيح أنه ورد في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ما يدل يقيناً على استخدام ما نراها ظاهرة كونية طبيعية نوعاً من العقوبات الإلهية على من ارتكب الذنوب؛ مثل قوله تعالى: «وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ». وكذلك: «أَفَأَمِنَ الذِينَ مَكَرُوا السَيِئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ»، والصحيح أيضاً أنه لا يصح أن ننزل ما جزم به القرآن الكريم من عقوبات بالخسف أو بالعواصف أو بالزلازل على كل الشعوب التي وقعت عليها هذه الكوارث الطبيعية، فهذا علم غيبي تختص به الذات الإلهية، تماماً كما لا نجزم بأن انتشار القمل في عائلة بسبب انعدام النظافة؛ هو عقوبة كعقوبة الذين سلط الله «عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاستكبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ»، وكذلك لا نبرئ أحداً؛ وإنما نكل الخلق للخالق.
ومن المفيد الالتفات إلى ما وجه به القرآن الكريم حيال عدد من الظواهر الكونية، كالزلازل والبراكين والفيضانات وكسوف الشمس وخسوف القمر، وغيرها من الآيات؛ «وَمَا نُرْسِلُ بالآياتِ إلا تَخْوِيفاً» لتوثيق الصلة بالسماء؛ بعد أن اعتراها الذبول وتهتكت عراها بسبب الانغماس الشديد في دورة الحياة الصاخبة.
أما «الجزم» بأن ما جرى لعدد من الشعوب من كوارث، إنما هو بسبب معاصيهم؛ فهو قول لا يسنده شرع ولا عقل ولا ناموس كوني.