لقبا «سياسي» و«دبلوماسي» حمّالا أوجه. فليس كل من وجد نفسه في معترك السياسة «رجل دولة»، وليس كل من أوكلت إليه في يوم من الأيام مهمات دبلوماسية يترك بصماته على علاقات بلاده الخارجية، فكيف بالعلاقات الدولية بالمطلق.
عبر العقود، عرف العالم، وبالأخص في العالمين العربي والإسلامي، مئات ومئات ممن تبوأوا مناصب وزارة خارجية الذين بالكاد يذكرهم أو يتذكرهم الناس بعدما مروا على مناصبهم مرور الكرام. وفي المقابل، قلة كانوا في الصورة وأسهموا حقًا في صناعة الأحداث رافضين الاكتفاء بالتفرّج عليها.
ليس كل وزير خارجية هنري كيسنجر أو آندريه غروميكو، أو محمود فوزي أو الأمير سعود الفيصل. الاستثنائيون هؤلاء نوعية خاصة. نوعية تقرأ وتفهم وتتفهم، وتؤثّر بقدر ما تتأثر.
الأمير سعود الفيصل الذي نودّع هذه الساعات من الاستثنائيين. من رجال الدولة الذين اجتمعت فيهم جملة من المزايا اللافتة. فهذا الرجل الكبير نشأ في بيت مُلك أصيل، عميق الجذور، وراسخ الارتباط بعروبته وإسلامه، وسار خطواته الأولى مع تجارب السياسة من داخل ذلك البيت. وبعدها تشرّب في الغرب أفضل ما يمكن أن يتاح لأمثاله عبر الدراسة في أرقى المؤسسات العلمية وأعرقها، من مدرسة هون الخاصة المحترمة في ولاية نيوجيرسي الأميركية إلى «جارتها» الأكبر والأشهر جامعة برنستون، إحدى أعظم جامعات أميركا والعالم.
ومثلما كان الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، في أصالته ابن بيئته، فإنه استطاع بفضل مزاياه الشخصية وثقافته الواسعة، ثم خبرته الطويلة في المجال السياسي أن يغدو شخصية عالمية تتفاعل بسهولة ويسر مع الثقافات المختلفة، وتدرك بعمق المصالح الحقيقية التي تحكم علاقات الدول بعضها ببعض بعيدًا عن عبارات الدبلوماسية المنمقة، وتعابير الصداقة والمبادئ غثها وسمينها.
لقد عايش الراحل الكبير منذ تولّى منصب وزير الخارجية عام 1975، وهو في سن الخامسة والثلاثين، أحداثًا عالمية كبرى. كان شاهدًا على ثورة تنمية ضخمة في المملكة العربية السعودية بوأتها مكانتها المرموقة إقليميًا ودوليًا. وعلى عالم عربي تغيّرت معالمه وتبدّلت على امتداد أربعة عقود المفاهيم والنظرات والقراءات والولاءات. وكان شاهدًا على عالم إسلامي كان حتى الأمس القريب خاليًا من الهموم التي تحاصره اليوم فتثقل كاهله وتُحرجه، وتضعه بعض الظواهر غير الصحية من حيث لا يسعى ولا يرضى في مواضع اللوم وموقع التهم.
على امتداد أربعة عقود اختارت قيادات عدة في النظام السياسي العربي ارتكاب معصية الانتحار السياسي، فغرق العرب في بحور من المغامرات غير المحسوبة، ووجدنا أنفسنا وجهًا لوجه أمام نماذج «الدول الفاشلة» في العراق وسوريا واليمن وليبيا.. وغيرها.
على امتداد عقود أربعة، على الرغم من حرص العقلاء الذين فهموا الإسلام السمح كما يجب أن يفهم، أدّى تأجيج التطرف تحت شعار «تصدير الثورة» إلى استيلاد تطرّف مضاد رأيناه يضرب من نيويورك وواشنطن إلى جزيرة بالي الإندونيسية، وها هو يهدّد مجتمعاتنا، وكذلك جالياتنا المقيمة في رياح الدنيا الأربعة.
على امتداد عقود أربعة، استيقظت من حولنا أحلام إمبراطوريات من سباتها مستغلة كل ما بقدرتها استغلاله، بينما راح بعضنا يغط في سبات عميق، بالكاد يستوعب المتغيرات من حوله.
على امتداد عقود أربعة، سقطت مَن سماها رونالد ريغان «إمبراطورية الشر»، فاستعجل فرنسيس فوكوياما لينعى لنا التاريخ، لكن لا تلك الإمبراطورية ماتت، ولا التاريخ انتهى.
سعود الفيصل شاهد شريط الأحداث ذاك، واستوعبه أكثر من كثيرين كانوا يتوهّمون أنهم يغيرون العالم. لقد كان قارئًا مُستشرفًا للكثير من التطوّرات، ومحللاً عميقًا للأعراض والظواهر والمسبّبات، وناصحًا حكيمًا عندما تلتهب المشاعر، وتكبر التحديات، وتتطلب الأمور الاستنتاجات المترويّة المبنية على المعرفة.
كان رجل الدبلوماسية الهادئة الرصينة في فترات عزّ فيها المنطق، ولكن بقدر ما كانت نصيحته مقدّرة ومؤثرة في أروقة السلطة في المملكة حيث عايش عهود أربعة ملوك قدّروا مزاياه، فإنها كانت لتكون مجزية جدًا للمنطقة وللعالم لو أخذ بها بعض قادة العالم في الأوقات الحرجة. ومع هذا أثبتت الأيام، ولعلها ستثبت أكثر، صدق حدسه إزاء كثير من الحسابات الخاطئة التي ارتكبها المجتمع الدولي، ودفع الجميع وما زال يدفع ثمنها الباهظ أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا.
العالم اليوم، بخسارة الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، يفتقد رجل دولة ودبلوماسية وحسّ سياسي لا يعوض بسهولة.
«عميد الدبلوماسية العالمية» لقب يليق تمامًا بالكبير الذي فقدناه.
10:2 دقيقه
TT
كلمة حق بـ«عميد الدبلوماسية العالمية»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
