أحمد شوبير
TT

المونديال... المغرب استثناء

لا يزال المونديال يبوح بمزيد من الأسرار والمفاجآت... فرغم نشوة الصحوة العربية والأفريقية والآسيوية في مستهل المنافسات المونديالية وحالة الجرأة الكروية المشروعة التي تسلحت بها منتخبات السعودية والسنغال والكاميرون وكوريا واليابان، وهو ما كان محل إشادة وتقدير كل الخبراء والمتابعين، وأكدنا به أن هذه القوى الأفريقية والآسيوية تعيد رسم خريطة كرة القدم في العالم شيئاً فشيئاً... فإن الكرة عادت بـ«ريمونتادا» الانتصار للمنطق، واستعادت القوى الكبرى الهيمنة على بطاقات التأهل للدور الـ8 بتأهل فرنسا والبرازيل وهولندا والأرجنتين وإنجلترا وكرواتيا والبرتغال... لكن رغم كل شيء، تبقى الفرصة قائمة أمام أفريقيا وآسيا لإحراز مزيد من التقدم في المناسبات المقبلة.
ومع كل هذا، يبقى منتخب المغرب الاستثناء الأروع والأجمل في هذه القاعدة التي تفرض نفسها دائماً على مستوى المنافسات العالمية... «أسود أطلس» يقدمون عرضاً تاريخياً من الرجولة والعزيمة والإصرار في مواجهة واحد من المنتخبات التي كانت ضمن أبرز المرشحين للمنافسة بكل قوة على اللقب... فرفع المغاربة اللواء العربي بالاستمرار في تلك النسخة التاريخية كأول منتخب عربي يتأهل لربع النهائي طوال تاريخ المونديال، وهي خطوة لا شك تاريخية، حفر بها «أسود أطلس» سطراً خالداً في تاريخ الكرة العالمية.
الحقيقة أن المغرب يلعب بالروح قبل القدم، وبالعزيمة قبل التدريبات، وبالإصرار قبل التكتيكات، وهو ما يصنع الفارق في مواجهة منتخبات أوروبية كبيرة ومصنفة، كإسبانيا، ومن قبلها بلجيكا، وكندا... درس عربي كبير يقدمه المغرب الذي رفع مجدداً سقف الطموحات العربية والأفريقية للطمع المشروع في خطوة جديدة، مهما كانت صعوبة المنافسة أمام البرتغال... في ربع النهائي، لو تحققت تلك الخطوة ستكون حتماً نقلة تاريخية كبرى سيقف أمامها التاريخ طويلاً.
المونديال الآن يدخل مرحلة أهم من المنافسات... فكلما تقلص عدد المنتخبات ارتفعت وتيرة التحديات وتحولت المباريات إلى وجبات كروية دسمة وشهية لأقصى درجات الإمتاع... فقد أصبحنا على موعد مع مواجهات من شاكلة فرنسا وإنجلترا... كرواتيا والبرازيل... هولندا والأرجنتين... المغرب والبرتغال... وكلها مواجهات من العيار الثقيل جداً، تبقى قابلة لكل الاحتمالات، بما فيها أيضاً من مفاجآت.
أما أهم صدفة ونقطة التحول، التي قد تزيد أكثر من متعة كأس العالم، فهي ما يرتبط بموعد البطولة، التي تغيرت في النسخة الحالية إلى نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) بسبب ارتفاع درجة الحرارة في قطر صيفاً إلى درجات قاسية لا يمكن تحملها... وإن كان التغيير تم على شكل استثناء، فإنه الآن مطلوب بقوةٍ إعادة التفكير في تحويل هذا الاستثناء إلى أصل وأساس، والإبقاء على الموعد الشتوي للبطولة التي خرجت بمستوى فني كبير للغاية في ظل جاهزية كل المنتخبات فنياً وبديناً، باعتبار أن كل الدوريات في العالم لا تزال في أعلى معدلات منافساتها، ما يضمن جاهزية الكل في هذا التوقيت... على عكس توقيت يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الذي يتوازى مع انتهاء كل الدوريات تقريباً، ومعها نفاد الطاقة الفنية والبدنية، بل النفسية أحياناً للاعبين، الذين يكونون في هذا التوقيت من الموسم قد تشبعوا تماماً، ما ينعكس سلباً على بعض المباريات... ولو أعاد الفيفا التفكير والحسابات وتشاور مع المنتخبات كافة، أعتقد أن النتيجة ستصب في مصلحة مونديال الشتاء الجميل.
ثم تبقى مع كل مرحلة تلك الدروس التي يقدّمها رواد المونديال؛ لاعبين ومشجعين... فالتحية للعرب والأفارقة والآسيويين الذين اجتهدوا وقارعوا قوى أوروبا قدر المستطاع... وكل التحية لمنتخب المغرب الذي لا يزال يحمل آمالنا وطموحاتنا على عاتقه، وكلنا ظهير داعم وكبير لأسوده... وخالص التحية والتقدير لمنتخب اليابان... لاعبين ومدرباً، علمونا كيف نعتذر لجمهورنا بكل حب عند الإخفاق... ومشجعين، رغم دموع الوداع التي سالت على الخدود، إلا أنهم لم ينسوا درس الرقي في تنظيف المدرجات وتركها كما كانت... وقد سبقهم لاعبوهم أيضاً إلى ترتيب وتنظيف غرقة ملابسهم، تاركين برقية شكر لحسن التنظيم، وكرم الضيافة العربي الجميل... ما أجمل المونديال عندما تسوده الروح الرائعة!