كيف نواجه مأساة اللاجئين في أوروبا؟

كيف نواجه مأساة اللاجئين في أوروبا؟

الثلاثاء - 14 شهر رمضان 1436 هـ - 30 يونيو 2015 مـ رقم العدد [13363]
سيلفي كوفمان
* رئيسة تحرير صحيفة «اللوموند» سابقًا
* خدمة «نيويورك تايمز»

في 11 يونيو (حزيران)، عثر على جثث 18 مهاجرًا أفريقيًا بمنطقة الصحراء الكبرى. وتبعًا لما ذكره غيسيب لوبريت، رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في النيجر، فإن هؤلاء لقوا حتفهم منذ أكثر من أسبوع سابق - والاحتمال الأكبر أن يكون سبب الوفاة الجفاف. وتعرض المهاجرون لعاصفة رملية في منطقة بين مدينة أرليت في النيجر والجزائر، ما تسبب في أنهم ضلوا الطريق و«أجهز عليهم الحر ونقص المياه»، حسبما صرح لوبريت. بعد أيام قلائل، تم اكتشاف بقايا أكثر من 30 مهاجرًا آخر في الصحراء.

إلا أن هذه الأنباء الحزينة لم تصل إلى الصفحات الأولى في الصحف الأوروبية، ذلك أن أوروبا كانت منهمكة للغاية في محاولة استيعاب حجم موجة المهاجرين المتدفقة على شواطئها. لا أحد هنا سيرى هذه الجثث، ولا أحد سيسرد هذه القصص، فهذه المأساة تحديدًا ستظل أفريقية.

أما المأساة الأخرى، فإنها تتعلق بدراما مئات الآلاف من الأفراد في حركة انتقال مستمر يخاطرون بحياتهم عبر البحر المتوسط، والتي تحولت الآن لقصة أوروبية. وبينما تتكشف فصول هذه المأساة أمام أعيننا، ليست لدينا فكرة واضحة بخصوص ما ينبغي عمله.

ولا يرجع ذلك إلى أننا فوجئنا بالأمر، فمنذ عام مضى نشر المفوض السامي لشؤون اللاجئين لدى الأمم المتحدة بعض الإحصاءات الصادمة: في نهاية عام 2013 أصبح في العالم 51.2 مليون شخص مشرد - بزيادة 6 ملايين عن العام السابق. الأسبوع الماضي، أعلنت المنظمة المعنية باللاجئين ارتفاع العدد إلى 59.5 مليون عام 2014. وهو رقم تاريخي بالفعل لم يشهده العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومع ذلك، مر الرقم الخاص بعام 2013 من دون أن يلحظه أحد تقريبًا. لقد فر ملايين السوريين بالفعل من بلادهم التي تمزقها الحرب ولجأوا إلى لبنان والأردن وتركيا. ولم يلفت انتباهنا مأساة الحياة الأسرية داخل مخيم لاجئين، وتكاد تكون هذه الصورة مختفية من على شاشات تلفزيوناتنا. ونجح عدد من اللاجئين، من بقاع قاصية مثل أفغانستان، في الوصول إلى دول الاتحاد الأوروبي عبر تركيا إلى اليونان وبلغاريا. لذا، قررنا بناء أسوار وإحكام إغلاق الحدود.

بعد ذلك، تبدل كل شيء في الربيع، فبعدما وجدوا الحدود البرية مغلقة، اتجه اللاجئون إلى البحر. وجراء شعورها بعبء ثقيل وخيبة أمل حيال غياب التضامن الأوروبي معها، قررت إيطاليا في ديسمبر (كانون الأول) إنهاء مهمة الإنقاذ التي نفذتها في البحر المتوسط. وفجأة، تكشفت المأساة الإنسانية هناك أمام أعين جميع الأوروبيين، مع غرق قوارب متهالكة يوميًا، لتحمل معها لقاع البحر لاجئين بالمئات. حتى الآن خلال العام الجاري، مات أو اختفى 1868 شخصًا على الأقل داخل البحر المتوسط، مقارنة بـ448 خلال الفترة ذاتها من العام الماضي. ومع مواجهته ضرورة اتخاذ إجراء، بعث الاتحاد الأوروبي ببعض السفن للمعاونة في مواجهة هذه الأزمة.

لكن ماذا بعد ذلك؟ الآن، يواجه من تمكنوا من الوصول للبر أحياء الفصل الثالث من المأساة - كان الفصل الأول الخروج من الوطن في الرحلة الطويلة، قبل الوصول للبحر. وحاليًا، تعج جزيرة لسبوس اليونانية وجزيرة لامبيدوسا الإيطالية بالمهاجرين. ويبدي المهاجرون رغبة قوية في الاتجاه شمالاً، لكن لا أحد يرغب فيهم.

مع حلول الصيف، تتحول حياة المهاجرين من الفوضوية إلى السريالية، مع تدفق السائحين الأوروبيين على شواطئ البحر المتوسط. وعليه، تعمل الشرطة الفرنسية على دفع المهاجرين للعودة إلى إيطاليا، وتضطر عشرات الأسر للنوم على الأرض في محطة قطار فنتيميليا. في نيس، يجري منع المهاجرين غير الموثقين من ركوب القطارات المتجهة لباريس. وداخل مدينة النور، تخلي الشرطة الخيام الخاصة بالمهاجرين الأفارقة، لتفاجأ بعودتهم برفقة قادمين جدد اليوم التالي. ويتولى أشخاص محليون ومنظمات غير حكومية إطعام هؤلاء المهاجرين وتوفير الملابس لهم، رغم مطالبات ماري لو بان، زعيمة الجبهة الوطنية، بعدم إمدادهم «بملاذ ولا رعاية طبية». والآن، أصبح بمدينة كاليه، المحطة الأخيرة قبل القناة «غابة» عبارة عن مخيم يضم قرابة 3000 مهاجر في خضم يأسهم يحاولون القفز إلى الشاحنات المتجهة لبريطانيا.

وحاليًا، تحولت أوروبا إلى المقصد الرئيسي لمهاجري العالم. العام الماضي، طلب 626 ألف شخص اللجوء في أوروبا، بزيادة قدرها 45 في المائة عن 2013، (كما سجلت أميركا الشمالية زيادة بنسبة 42 في المائة، لكنها تتعامل مع أعداد أقل بكثير، تبلغ 134.600 طالب لجوء). وتتجاوز هذه الأرقام المستويات المرتفعة بالفعل للهجرة القانونية وغير القانونية - وهو تدفق لأفراد أثار رد فعل سلبيًا شعبويًا ومناهضًا للهجرة في أوساط الناخبين عبر أرجاء أوروبا. ما يزيد الصورة ارتباكًا، أن الخط الفاصل القائم بين اللاجئين الفارين من الحرب أو الاضطهاد واللاجئين الاقتصاديين بدأ يتلاشى، بالنظر إلى الانتهاكات البشعة التي يتعرض لها أبناء الفئة الأخيرة خلال رحلتهم، خاصة على المهربين في ليبيا.

ومع مواجهته أزمة متفاقمة بسرعة، جاء رد فعل الاتحاد الأوروبي على النحو المعتاد منه، وهو التحرك البطيء تحت وطأة غياب سياسة مشتركة تجاه الهجرة وطلب اللجوء السياسي.

على ما يبدو، لم يستوعب أحد حجم هذه الحركة الهائلة للبشر والتحديات التي تنطوي عليها لهوية أوروبا وقيم التضامن والقيم الإنسانية المشتركة، سوى القليل من القادة في بروكسل. في مايو (أيار)، أصدرت المفوضية الأوروبية «أجندة أوروبية للتعامل مع الهجرة»، والتي جاءت متأخرة كثيرًا، وطلبت من أعضاء الاتحاد الأوروبي التشارك في تحمل أعباء 40 ألف لاجئ فيما بينهم تبعًا لحصص محددة سلفًا. وسرعان ما رفضت عدة دول فكرة الحصص، منها فرنسا وبعض دول وسط أوروبا. بدلاً من ذلك، تتحدث بروكسل الآن عن خطة إعادة نقل تقوم على الفكرة الأكثر تقبلاً الخاصة بـ«مفتاح التوزيع» والتي تحدد معايير تستوعب تبعًا لها الدول الأعضاء المهاجرين.

تعد بعض مقترحات المفوضية خطوات إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكن يبقى الجزء الأكبر من الأجندة منصبًا على منع الأفراد من الوصول للاتحاد الأوروبي من البداية. إلا أن هذه الموجة البشرية لا يمكن وقفها. إن الطبيعة القاسية للصراعات المستعرة في أجزاء من أفريقيا والشرق الأوسط، بجانب الديناميكيات الديموغرافية القوية في أفريقيا، تعني أن الهجرة ستصبح جزءًا أساسيًا من الواقع الأوروبي لسنوات قادمة. وهذا الموقف الاستثنائي يتطلب استجابة استثنائية.

يدرك الخبراء أن حلولاً متوافرة، لكن تغيير الخطاب السياسي بخصوص الهجرة يستلزم الشجاعة ورؤية طويلة المدى، وهو أمر غير متوافر بكثرة في العواصم الأوروبية هذه الأيام. وعندما يجتمع القادة الأوروبيون في بروكسل هذا الأسبوع، فإنه ينبغي أن يتذكروا بسابقة مأساوية، وهي مؤتمر إيفيان في يوليو (تموز) 1938. انعقد المؤتمر بدعوة من الرئيس فرانكلين روزفلت وكان يرمي لتناول مأساة مئات الآلاف من اليهود الألمان والنمساويين الباحثين بدأب عن ملاذ بعد طرد هتلر لهم. ومثلما كتب الأمير زيد بن رعد، المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، في مايو، فإن «مؤتمر إيفيان كان كارثة.... وكانت نتيجة الاجتماع واضحة: أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا لن تقبل أي منها أعدادًا كبيرة من هؤلاء اللاجئين. وفي سجل الجلسة، تم استخدام كلمتين مرارًا: (الكثافة) و(التشبع)».

نأمل ألا تتكرر هذه الكارثة.

* رئيسة تحرير صحيفة «اللوموند» سابقًا

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو