جمعة رمضانية دامية

جمعة رمضانية دامية

الأحد - 11 شهر رمضان 1436 هـ - 28 يونيو 2015 مـ رقم العدد [13361]
إياد أبو شقرا
كاتب صحافيّ ومحلّل سياسيّ وباحث في التّاريخ، يعمل في صحيفة الشّرق الأوسط منذ تأسيسها
كان يوم الجمعة الماضي يومًا رمضانيًا مؤلمًا حزينًا، غير أنه ما عاد مقبولاً الاكتفاء بالإعراب عن الأسى وإبداء الاستنكار وإطلاق الدعوات اللفظية إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية.

هذا كله لا يجدي، ولا يعني شيئًا بعد تكرار استهداف المساجد واستمراء قتل الأبرياء.

قد يفسّر بعضنا تفجير مسجد الإمام جعفر الصادق في الكويت بتنامي التوتر المذهبي في منطقة الخليج، بعدما زرعت الثورة الخمينية ريح التطرّف فحصدنا جميعًا الفكر «القاعدي» والفظائع «الداعشية».

وما حدث في تونس يُمكن أن يُعزى إلى شطط في المرارة المتراكمة داخل بيئات تونسية متديّنة ردًا على حقبة العلمنة البورقيبية، وهو ما جعل عدد المسلحين التونسيين في مقدمة أعضاء التنظيمات المتطرّفة المقاتلة في سوريا، ثم تفاقم بتأثير الفوضى الليبية وامتدادات تيارات الصحراء الكبرى.

وأما العملية البشعة الجديدة في فرنسا فقد يصرّ المدافعون عبثًا على القول إنها إفراز طبيعي للغربة الثقافية والتمييز الديني والعنصري وهروب من بيئة رافضة وطاردة عرقيًّا.

لكل من الجرائم الثلاث التي وقعت في يوم واحد وتوزّعت على ثلاث قارات، خصوصيّات محلية. لا شك في ذلك. لكن القاسم المشترك أكبر وأخطر، وهو الأصل وغيره فروع. ويعود للمسلمين – وبالذات العرب منهم – الخيار إما بتجاهل الحقيقة المرّة وترك المرض يستشري حتى يقتل، أو الإقرار بوجوده تمهيدًا لمعالجته بصورة جذرية.

ثم إن الجرائم الثلاث جزءٌ من كل. جزءٌ من جُملة ممارسات جرمية تُرتكَب باسم «الإسلام الصحيح» في مختلف أنحاء العالم منذ عدة سنوات، لكنها لم تلقَ حتى اللحظة الردّ الحازم عليها، مع أنها تزّج المسلمين في حرب فعلية مع العالم بأسره. والأسوأ من هذا، أن المجرمين إما يسعون سعيًا إلى هذه الحرب العالمية مع مَن يرونهم أهل «دار الحرب»، أو لا يقيمون وزنا لموقف العالم، مع أنه ليس ضعيفًا إلى الحد الذي يحول دون شنه حرب إفناء، أما ما يمنعه من ذلك فمؤسساته الديمقراطية وما تبقى في تلك المؤسسات من قيم احترام لحقوق الإنسان.

إن قتل الأبرياء في الكويت وشواطئ تونس ومنطقة الإيزير في فرنسا، بالأمس، لا ينفصل إطلاقا عما ارتكبته، ولا تزال ترتكبه، تنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة / النصرة» و«بوكو حرام» و«الحشد الشعبي» و«حزب الله» و«كتائب أبو الفضل العباس» و«حركة الشباب (في الصومال)» و«طالبان» ومختلف أشكال الجماعات الإسلامية المسلحة – سنيّة كانت أم شيعية –... باسم «الإسلام الصحيح». وهنا أذكر أنه في يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد الهجوم القاتل على مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة، وسيل الاستنكارات من عرب ومسلمين للهجوم بحجة أنه «لا يعبّر عن الإسلام الصحيح»، كتب الزميل نديم قطيش تعليقًا أصاب الهدف تمامًا.

ومما كتبه الزميل العزيز، يومذاك، متسائلاً «.. فما هو (الإسلام الصحيح) الذي ينبغي أن يتحفنا به مُدينو الجرائم المرتكبة باسم الإسلام، وأين هي المواجهة الأبعد من الإدانة التي انخرط فيها أنصار الإسلام الصحيح، منذ هزيمة المعتزلة في الإسلام، أي هزيمة العقل في الإسلام قبل ألف ومائة عام؟..».

وبعدما عدد قطيش أمثلة كثيرة لجرائم متطرّفي السنّة والشيعة، قال إن أولئك الذين ارتكبوها «... ينتمون جميعًا إلى هذا (الإسلام الصحيح) بكل تفاصيله ومتونه وهوامشه. ينتمون إلى فقهِه الفسيح.... وهنا أرض المعركة. النص الإسلامي نفسه، أكان نصًا قرآنيًا أم فقهًا أم حديثًا نبويًا. فالقتلة لا يقتلون مجانًا بل يقتلون باسم كتبٍ وفتاوى وتراثٍ مديد..، هي جزء لا يتجزأ من (الإسلام الصحيح). وهم مسلمون طالما أنهم ينطقون بالشهادتين وطالما لم تتجرأ المؤسسة الدينية على تحديث معايير الانتماء إلى الإسلام. هؤلاء القتلة هم نحن. هم ديننا بصورته القصوى. هم (إسلامنا الصحيح) مأخوذًا إلى مداه الأبعد. وهؤلاء ليسوا خارج النص..».

في اعتقادي هنا مربط الفرس.

إن ثمة أزمة حقيقية في صميم تفكيرنا، ينجُم عنها سوء ممارساتنا، وانتقالنا من نكسة إلى نكبة، ومن نكبة إلى دمار. وهذه الأزمة، بطريقة أو بأخرى، أسهمت في سلبية التعاطي الدولي مع قضايانا، لأن المجتمع الدولي ليس مضطرًا للقبول بمفاهيمنا إذا كانت تتناقض مع مفاهيمه.

ومن ثم، كيف لنا أن نطالبه بالوقوف معنا من منطلق احترام حقوق الإنسان وحماية المدنيين عندما يخرج من بيئاتنا أفراد وجماعات يحتكرون الإيمان والدين والفضيلة والشرعية والوطنية؟ بأي حق نناشد دول العالم التدخّل لمصلحتنا والتخفيف من معاناتنا، إذا كنا نحن لسنا ضدها فحسب، بل أيضا ضد شعوبنا أيضًا.. نمعن في قتل بعضنا بعضًا وتكفير بعضنا بعضًا وتخوين بعضنا بعضًا؟ بأي منطق نتصوّر أن تطرّفنا جذاب للآخرين، وأن ميلنا إلى الإقصاء والإلغاء يمكن أن يحيّدهم؟

نحن نرفض أن نفهم «السببيّة»، والفعل وردّ الفعل..

مثلاً، في العراق، حيث لا تبعد مواقع «داعش» المتقدّمة عن عاصمته سوى 50 كلم، هناك 7 آلاف سنّي مهدّدون بالإعدام إذا ما أزيل شرط توقيع رئيس الجمهورية، ومع هذا تتصرّف القيادة المدعومة من إيران والمرتبطة بها سياسيًا وميليشياويًا وكأنها آخر من يعلم، وآخر من يكترث بالعواقب.

وفي سوريا، مع مواصلة النظام، الذي غدا «تفصيلاً» صغيرًا تابعًا لطهران في تقاطع المخطّطات الإقليمية، تعيش المعارضة سباقًا مع الوقت لضبط أجنحتها المتطرّفة التي لم تستوعب حتى اللحظة أنها بتطرّفها أطالت عمر نظام كان قد فقد شرعيته وولاء الكثير من مكوّنات الشعب.

وفي لبنان واليمن يدفع أتباع المخطّط الإيراني، بقوة السلاح، البلدين إلى «شفير هاوية» مذهبية مدمّرة، مع ادعاء حزب الله وجماعة الحوثي أمام الولايات المتحدة أنهما طليعة حربها على «التكفير» السنّي بوجهيه «الداعشي» و«القاعدي». وفي هذا استخفاف بردّات الفعل الدامية الحتمية التي شاهدناها ونشاهدها اليوم في كل مكان، بما فيها دول الخليج التي كانت ولا تزال آخر معاقل الاعتدال والاستقرار في الشرق الأوسط.

لقد انتهى وقت الأعذار والاعتذار، وآن أوان العلاج الجذري.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
28/06/2015 - 06:39

استاذ اياد ابو شقرا
اولا كل عام وانتم بخير ورمضان كريم , حقا ان الجمعة الماضية الدامية ثانى ايام شهر رمضان هذا العام تعتبر الجمعة الحزينة فعلا , فقد راحت فيها ارواح مؤمنة وهى تؤدى شعائر الصلاة فى المسجد دون ما ذنب ارتكبته قتلتها يد الارهاب غدرا وخيانة ونذالة وجبنا وخسة والارهاب واحد مهما تعددت اسماءه فاليد الآثمة واحدة تسعى وراء هدف واحد وهو محاربة الاسلام والمسلمين فى كل مكان وللاسف الشديد فان هؤلاء القتلة يعتقدون انهم مسلمون وان اسلامهم هو الاسلام الحق واسلام باقى المسلمين هو الباطل ندعو الله ان يهديهم الى السراط المستقيم وان يصلح احوالهم ويعيد اليهم الرشد والصواب وان يرجعوا الى كتاب الله العزيز ويقراوه قراءة هادئة متانية ويتدبروا ماجاء فيه بامعان وليعلموا انه هو دستور المسلمين كل المسلمين الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا احصاها

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
28/06/2015 - 18:06

وليقولوا لنا هل الاسلام الذى يؤمنون هم به يبيح لهم قتل النفس البشرية دون مبرر ؟ اعتقد انه لايوجد دين سماوى يبيح قتل النفس البشرية دون مبرر , وحتى فى القصاص فلا يجوز للانسان ان يقتص لنفسه من اخيه الانسان بنفسه وانما صاحب الحق فى القصاص من القاتل هو ولى الامر و هل جرائم قتل المصلين اثناء ادائهم الصلاة دون ما ذنب اقترفوه امر جائز فى دينهم ؟ الاسلام دين مودة ومحبة ورحمة الاسلام دين سماحة وتسامح الم تقراوا قول الله تعالى فى كتابه العزيز من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض فكانما قتل الناس جميعا ومن احياها فكانما احيا الناس جميعا ؟ يا اخوة الاسلام الاسلام دين واحد لا يتجزأ ودستور المسلمين الذى يجب ان يتبع هو مانزل به امين الوحى جبريل على محمد رسول الله فنحن جميعا كمسلمين نخضع لدستور واحد واله واحد احد فاتقوا الله ولا تتبعوا اهواء الشيطان

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
28/06/2015 - 22:09

هي بالفعل جمعة حزينة، لم نتصور أن يحدث إنفجار في مسجد جعفر الصادق على يد انتحاري يفجر نفسه ويزهق أرواح بريئة، حدث كذلك في تونس، من الذي أوصل داعش إلى التطرف والغلو وتشويه صورة الإسلام بهذا الشكل؟ أي فكر هذا الذي يحمل القتل؟ هل تغير الفكر ليكون عن طريق القتل والدمار؟ لماذا لم يذهب هؤلاء لتغيير فكرهم بفكر بناء؟ إنه مرض التطرف وليس الإسلام المدان في هذا الموقف، داعش إرهابيون وحزب الله والحشد الشعبي إرهابيون أيضا لكن يدان داعش ولا يدان حزب الله والحشد الشعبي الإيراني الذي يتحمل مسئولية كل هذا التطرف.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة