بريطانيا: البحث عن مخرج من المأزق

بريطانيا: البحث عن مخرج من المأزق

الأربعاء - 24 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 19 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16031]

يوم الجُمعة الماضي، الموافق 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، يُضاف إلى سجل التاريخ السياسي البريطاني، لتميّزه بكونه اليوم الذي وثّق سابقة سياسية، تمثلت في تراجع رئيس حكومة بريطانية عن كامل برنامجه السياسي، بعد شهر تقريباً من تسلمه للمنصب، ومن دون أن يقدم استقالته وتسقط الحكومة!
السيدة ليز تراس، كما ثبت، تعد أول رئيس حكومة بريطانية لا تجيد علم الحساب. الحسابُ، في هذا السياق، المقصود به الوعي بالقاعدة التي تؤكد على عدم الدخول في مقامرة سياسية، ما لم تضمن مقدماً دعم أغلبية نواب الحزب. السيدة تراس لا تخفى عليها تلك القاعدة، لكنها تجاهلتها، رغم علمها المسبق أن أغلبية نواب الحزب، خلال حملة التنافس على الزعامة، اختاروا دعم منافسها وزير المالية الأسبق ريشي سوناك (سوناك 137 صوتاً مقابل 113 للسيدة تراس). ولسوء حظها، فإن كوادر الحزب الذين صوتوا لها، وفرضوها زعيمة للحزب لا يملكون حق التصويت في البرلمان بمنح أو حجب الثقة، ودعم أو رفض ما تقترحه الحكومة من مشاريع قوانين وميزانيات. وللعلم، كوادر الحزب وصفوا برنامج الحملة الانتخابية للسيد سوناك بالاشتراكي. الآن، السيدة تراس تخلت عن برنامجها الذي انتخبت من قبلهم لتنفيذه، واختارت مضطرة تنفيذ برنامج منافسها (الاشتراكي!).
لذلك، ولفك حالة الحصار المضروب سياسياً، اختارت التراجع والتضحية بصديقها وحليفها ووزير ماليتها السابق السيد كواسي كوارتينغ، على أمل الحفاظ على رأسها. تفادي تلك الفضيحة السياسية لا يكون إلا بقبول تسليم مفاتيح 10 داونينغ ستريت، التي قضت كل حياتها السياسية تسعى إلى الإقامة فيه. لكن فعلياً لا أحد قبلها، من رؤساء الحكومات السابقين، فعل ذلك، ما لم يتم اقتلاعه من كرسيه، ودفعه خارجاً. وهي لن تختلف عنهم.
الحفاظ على المنصب يتطلب منها اصطياد ثلاثة عصافير بحجر واحد، وفي أقصر وقت ممكن: استعادة ثقة النواب، والأسواق المالية، والناخبين. الأمر لا يختلف عما يطلق عليه أساتذة الرياضيات معادلة عديمة الحل. لكن علم الرياضيات غير علم السياسة. وإلى حد الآن، لم تُبدِ السيدة تراس ما يشي بإمكانية تغيير المعادلة لصالحها حتى الآن. وأمر خروجها من المسرح بات وشيكاً. ومن شبه المؤكد أنها ستدخل التاريخ باعتبارها رئيسة حكومة المحافظين التي فتحت أبواب قلعة 10 داونينغ ستريت، ليدخلها رئيس حزب العمال السيد كير ستارمر منتصراً، معلناً عودة العماليين إلى الحكم بعد 12 عاماً من الغياب.
اللافت، أن السيدة تراس بعد تراجعها المهين، قامرت بوضع كل بيضها في سلة وزير المالية الجديد السيد جيرمي هنت - وهو رابع وزير خزانة في فترة لا تتجاوز أربعة أشهر - واستناداً إلى التقارير الإعلامية، تنازلت له عن كل الصلاحيات في إدارة الشؤون المالية، على أمل الخروج من المأزق. لكنها، في الوقت ذاته، لم تترك له سوى خيارات محدودة، وهامش مناورة ضيق. مهمة إعادة موازنة دفاتر الحسابات، تضع الوزير الجديد أمام طريقين اثنين لا غير. الأول: السعي إلى استعادة ثقة الأسواق المالية وتهدئتها باللجوء إلى تبني سياسة وزير المالية الأسبق ريشي سوناك القاضية برفع الضرائب على الشركات من 19 في المائة إلى 25 في المائة، علماً بأن السيد هنت كان واحداً من عدة متنافسين على الزعامة، وفي برنامجه الانتخابي كان يدعو إلى خفض الضرائب على الشركات إلى 15 في المائة، مما يُعد سابقة. ولدى خروجه من المنافسة قدم دعمه للسيد سوناك. ما توفره الضرائب المقترحة من أموال ليست كافية لسد الفجوة في العجز المالي، وعلى السيد هنت الانتهاء من موازنة الحسابات في فترة زمنية لا تتجاوز نهاية الشهر الجاري.
الطريق الثاني يتطلب منه إرضاء نواب حزبه، ونزع فتيل غضبهم، بتجنب تقليص الإنفاق عن مشاريع البنية التحتية وخاصة في قطاعات التعليم والصحة، حتى يحافظ الحزب على فرص نجاحه في الانتخابات النيابية القادمة. خبراء الاقتصاد والمال يؤكدون أن موازنة الحسابات لن تتم من دون العودة إلى تبني سياسة تقشفية، شبيهة بتلك التي نفذها وزير المالية الأسبق جورج أوسبورن عام 2010 لسد العجز في الميزانية العامة. وسبق للسيدة تراس، خلال حملة انتخابات الزعامة، أن تعهدت بعدم العودة إلى سياسة التقشف مجدداً. لكن من يصدقها الآن، بعد كل ما قدمته مؤخراً من تراجعات، وبعد انتقال السلطة الفعلية إلى أيدي وزير المالية الجديد؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو