«الإخوان المسلمون» والعقاد

«الإخوان المسلمون» والعقاد

الأحد - 20 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 16 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [16028]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

قبيل الذكرى الأربعين لوفاة عباس محمود العقاد، كتب عبد اللطيف عبد الحليم مقالاً أعلن فيه من بدايته أنه استلهم وحي مقاله من ديوان العقاد «وحي الأربعين»، وجعل عنوان مقاله هو عنوان هذا الديوان.
وقد قال في هذا المقال: «يقترن التجديد في الشعر والنقد باسم العقاد، وتستمد النهضة الحديثة في فروع المعرفة الإنسانية صلة وثيقة بصاحب (وحي الأربعين). يأخذ نقاد هذا الزمن ثقافتهم من العقاد، تسري مصطلحاته في كلامهم، وإن تنكروا لها، وَهَبْ أننا نحذف صاحب الذكرى من تاريخ الشعر والنقد والفكر الإسلامي، هل يكون لمثل هذا التاريخ اكتمال، وهل يظل الوجه واحداً؟!».
ما هو صحيح في الجملة الأولى هو أن العقاد من نقاد الأدب المجددين في أول أمره ثم نكص عن ذلك. وطمح أن يكون مجدداً في شعره؛ لكنه أخفق في مسعاه. أما بقية الجمل فكانت غلواً في تمجيد العقاد وتعظيمه، ولم يكن ينقصها سوى أن ينص فيها على أن العقاد «خاتم» الشعراء، و«خاتم» النقاد، و«خاتم» المفكرين المسلمين، وأن الله أتّم به نعمته علينا، ورضيه لنا إماماً!
في مقال «هل حاول (الإخوان المسلمون) اغتيال العقاد؟»، كنت أوردت اقتباساً من الجزء الثاني من مقال عبد اللطيف عبد الحليم «عقدة العقاد»، قال فيه: «وكان هجومه على (الإخوان المسلمين) من أنقى صفحات فكرة المجدد، من دون أن يكون محسوباً على فئة غير فئة العقاد. وأبى -اتساقاً مع كرامة قلمه- أن يكتب مقدمة لكتاب يهاجم (الإخوان) بعد زوال شوكتهم، وإنه كالفارس لا ينازل إلا فارساً شاكي السلاح، وكتب طه حسين مقدمة هذا الكتاب، من دون أن نتهم طه حسين بشيء، وإنما لكل وجهة هو موليها».
في المقال المشار إليه، استناداً إلى كتاب رجاء النقاش «عباس العقاد بين اليمين واليسار»، كنت ذكرت أن العقاد بدأ هجومه على «الإخوان المسلمين» بعد إصدار محمود فهمي النقراشي رئيس الوزراء ورئيس الحزب السعدي قراراً بحل جماعة «الإخوان المسلمين».
ويستخلص مما كتبه رجاء النقاش في هذه القضية عكس ما زعمه عبد اللطيف عبد الحليم، وهو أن هجوم العقاد على «الإخوان المسلمين» كان محسوباً على فئة غير فئة العقاد، هي فئة الحزب السعدي.
كما أن قرار الحل المصحوب بمصادرة أنديتهم وأموالهم ونشاطهم، أعقبته اعتقالات في صفوف الجهاز السري في جماعة «الإخوان المسلمين» واعتقالات في صفوفهم عامة.
فالظرف هو الظرف نفسه بعد حادثة المنشية عام 1954. وفي هذا العام كان «الإخوان المسلمون» ذوي شوكة، كما كانوا كذلك مع قرار حلهم في آخر شهر من عام 1948.
أشار عبد اللطيف عبد الحليم إلى كتاب يهاجم «الإخوان المسلمين» من دون أن يسميه، وادعى أن طه حسين رضي أن يكتب مقدمته بعد أن أبى العقاد أن يكتبها!
هذا الكتاب هو كتيب صغير اسمه «هؤلاء هم الإخوان!» صدر عام 1954. وهو يخلو من المقدمة وشبه المقدمة. فهو جمع لمقالات صحافية، أصحابها بحسب ترتيب أسمائهم الرأسي على غلافه، هم: طه حسين، ومحمد التابعي، وعلي أمين، وكامل الشناوي، وجلال الدين الحمامصي، وناصر الدين النشاشيبي.
بعد نجاة جمال عبد الناصر من محاولة «الإخوان المسلمين» اغتياله، وهو يخطب في ميدان المنشية بالإسكندرية، كتب طه حسين في جريدة «الجمهورية» مقالاً عنوانه «فتنة!»، ثم كتب مقالاً ثانياً عنوانه «عبرة»، ثم كتب مقالاً ثالثاً عنوانه «رخص الحياة!».
في الكتيب المذكور اختير من هذه المقالات الثلاثة المقال الأول، والمقال الثالث، وتقدم المقال الثالث على المقال الأول، وكان هو فاتحة مقالات كتيب «هؤلاء هم الإخوان!».
فمقال طه حسين «رخص الحياة!» هو من مقالات الكتيب، وليس مقدمة له. المُطلع على الكتيب يدرك أن مقالاته جُمعت على عجل، وأنه أُخرج بهيئة رثة. وسيدرك أن عبد اللطيف عبد الحليم لم يسبق له أن اطلع عليه، ومع ذلك يفتي بشأنه!
سأحاول أن أفهم علة هذا الخطأ عنده.
أقول ربما إن الذي نقل له معلومة أن طه حسين كتب مقدمة لـ«هؤلاء هم الإخوان!»، كان قد رأى اسم طه حسين على الغلاف يتقدم على بقية الأسماء، فقدّر أن طه حسين قُدم اسمه على أسمائهم لأنه كاتب المقدمة!
وبمناسبة الحديث عن هذا الكتيب، ووضع أول اسم عليه اسم طه حسين، ثمة دارس مصري له أكثر من دراسة أكاديمية ووثائقية عن طه حسين، قال بملحوظة يُستنكر أن تصدر من مثله. يقول مصطفى عبد الغني في كتابه «طه حسين وثورة يوليو: صعود المثقف وسقوطه»: «فبدهي أن الكتاب الأول بوجه خاص عن (الإخوان) كان يقصد محاربة معارك النظام وليس تأييده فقط، بدليل أن الترتيب العشوائي الذي نجده على غلاف كتاب (الإخوان) –على سبيل المثال– يرينا أن اسم طه حسين أول هذه الأسماء، ويطرز جنباً إلى جنب مع أسماء أخرى لا يخلو ذكرها من معنى: محمد التابعي، وعلي أمين، وكامل الشناوي، وناصر الدين النشاشيبي، وجلال الحمامصي، وغيرهم، بما يشير إلى أن طه حسين -وقد أصبح الآن مسايراً للنظام- فإنه قد وضع (من دون تدبير) في خانة المثقف (المهادن)»!
ترتيب الأسماء لم يكن ترتيباً عشوائياً؛ بل هو –كما أسلفت– ترتيب رأسي. ويظهر لي أن الترتيب الرأسي يعده ترتيباً عشوائياً، وأن الترتيب المنظم عنده هو الترتيب الأفقي فقط!
من البدهي أن يكون اسم طه حسين هو أول اسم يوضع على غلاف الكتيب، ومن البدهي أن يتصدر مقالاه بقية المقالات الأخرى؛ ليس لأنه أكبرهم سناً، وليس لأنه كان وزيراً وصاحب معالٍ و«باشا» سابقاً، وإنما لأنه أشهر كاتب في مصر وفي مشرق العالم العربي ومغربه. ولو أن العقاد كان في موضع طه حسين، أي أنه كتب مقالاً يهاجم «الإخوان المسلمين» فيه بعد حادثة المنشية، واختير مقاله ليكون في هذا الكتيب، لتقدم اسمه على الأسماء الأخرى التي اختيرت مقالاتها لتكون فيه، لمقامه الكبير في عالم الكتابة والتأليف.
روعي في ترتيب الأسماء بطريقة رأسية بعد إيراد اسم طه حسين، مكانة الاسم في عالم الصحافة المصرية وفي تاريخها وفي صناعتها، لذا نجد اسم محمد التابعي على رأس أسماء الصحافيين الذين اختيرت مقالاتهم لنشرها في الكتيب؛ لأنه مؤسس للصحافة في مصر، وأستاذ فيها للأسماء التي وضعت تحت اسمه، ولسواهم من كبار الصحافيين المصريين. ونرى أن اسم علي أمين تقدم على اسم كامل الشناوي، مع أن كامل الشناوي يكبره بسنوات، وتقدم اسمه على اسم جلال الحمامصي، مع أن جلال الحمامصي يكبره بما يزيد على نصف السنة قليلاً. وسبب ذلك أن علي أمين أسس مع أخيه التوأم مصطفى أمين دار «أخبار اليوم»، وكانا يملكانها، وفي تلك الفترة كان يشغل معه منصباً إدارياً وتحريرياً عالياً فيها. فوضع اسم طه حسين في أول الأسماء ووضعه «جنباً إلى جنب مع أسماء أخرى» ليس تطريزاً أو تزييناً أو زركشة؛ لأن له مقالين في الكتيب. وبعد أن عدّد الأسماء الأخرى التي –بحسب قوله- «لا يخلو ذكرها من معنى» أردف أسماءهم بكلمة «وغيرهم»، مع أنه ذكر الأسماء كلها!
وهذا يدل على أنه يكتب بعشوائية. والحق أن مقاله «ضد الإخوان» في كتابه المذكور، كتبه كله بعشوائية، وكذلك المقال الذي تلاه «فتى السوربون الليبرالي» لم يسلم من الكتابة العشوائية.
إن مصطفى عبد الغني في أكثر من دراسة له مطبوعة في كتب، ذكر أن طه حسين مؤيد لانقلاب أو ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 من بدايتها، ونحن نعرف أن بقية الأسماء في كتيب «هؤلاء هم الإخوان!» كانت مؤيدة لها، فأين –والحال كذلك– محل جملة «خانة المثقف المهادن» من الإعراب السياسي والآيديولوجي؟!
وما معنى جملة «من دون تدبير» التي وضعها بين هلالين؟ هل يقصد بها: من دون تدبير منه أو إرادة منه صار مثقفاً مهادناً؛ لأن اسمه وضع إلى جوار أسمائهم؟!
نعود إلى تلميذ «الفارس الذي لا ينازل إلا فارساً شاكي السلاح» عبد اللطيف عبد الحليم، فأوضح أن الرواية التي غمز طه حسين بها بأسلوب التلميح دون التصريح، ورفع العقاد فيها إلى مصاف الفرسان النبلاء، هي رواية شفاهية كان يرددها «الإخوان المسلمون» في أن العقاد أفضل من طه حسين في عهد جمال عبد الناصر تجاه «الإخوان المسلمين».
والرواية كما سمعتها من إخواني سوري في منتصف الثمانينات الميلادية، تقول: إن العقاد طُلب منه أن يكتب ضِّد «الإخوان المسلمين» فرفض، وطُلب من طه حسين أن يكتب ضدهم فاستجاب. «الإخوان المسلمون» كانوا ساخطين على كتيب «هؤلاء هم الإخوان!» مع أنه كان كتاباً نافداً ومحدود الانتشار، وكانوا ساخطين على طه حسين في هذا الكتيب أكثر من الأسماء الأخرى؛ لأن اسمه اسم مؤثر لدى القراء كافة، هذا إن استثنينا قراء الكتاب الإسلامي والقراء الرافعيين. وكانوا قد تناسوا حملة العقاد السياسية والفكرية عليهم، وحملته الشخصية على شخص إمامهم المقدس حسن البنا، في جريدة «الأساس» ما بين عامَي 1948 و1949. وقد ساعدهم على هذا التناسي مجموعة من الأسباب، هي:
- أن العقاد لم يكتب عنهم أي نقد بعد تلك الحملة، لا قبيل ثورة 23 يوليو 1952 ولا بعدها.
- أنهم في تنظيرهم لإسلام محدث كانت إسلامياته من ضمن مراجعهم الأساسية.
- إن إسلامياته خلت من السمة التحررية والنقدية، ولو بقدر بسيط.
- أن تحرريته الفكرية المتأثرة بالغرب اقتصرت على النقد الأدبي والشعر، ولم تمتد إلى قضايا لا تزال إلى يومنا هذا قضايا شائكة في المجتمع العربي.
- عداوته للشيوعية ولليسار، وتصنيفه عند الشيوعيين واليساريين بأنه محافظ ورجعي في قضايا عديدة، منها قضية المرأة.
- ما أشيع عنه أنه يكن عداوة لجمال عبد الناصر ولنظامه السياسي، وأنه يذمهما عند خلصائه في صالونه الأسبوعي.
اعتمدت الرواية الإخوانية الشفاهية المخترعة على مفاضلة بين العقاد وطه حسين، لها تاريخ طويل في الثقافة العربية الحديثة في القرن الماضي، ولا تزال قائمة إلى الآن، لخصها علي جواد الطاهر بقوله: «وإذا ذُكر العقاد ذُكر طه حسين بالعكس، ويأتي الذكر على سبيل الاختلاف، والضد والنقيض... والنقاش الحاد في أيهما الأحسن، والأكبر والأعظم، وتبلغ الحدة أحياناً كثيرة بطرف إلى أن يجرد طرفاً من كل فضيلة، فليس العقاد أديباً عند قوم، وليس طه حسين أديباً عند قوم. ويطول النقاش على غير طائل على مدى خريطة الوطن العربي».
في سنوات السبعينات الميلادية، كانت الدعاية السياسية والعقائدية الإخوانية تترى في كتب وفي كتيبات ومقالات ومحاضرات وخطب في المساجد، وهي الدعاية الضخمة التي تقدم «الإخوان المسلمين» بصورة كوكبة من الأطهار، وتقدم الناصرية على هيئة زمرة من الأنجاس يقودها النجس الأكبر، جمال عبد الناصر. فلهذا العقد أهمية زمنية في تاريخ الدعاية الإخوانية في صنع الوعي الزائف ونسج التاريخ الباطل؛ لأنه كان عقد بدايات تأسيسها الضخم. وسنتعرف على صورة العقاد عند «الإخوان المسلمين» من أحد كتبهم الدعائية الذي صدر في ذلك العقد.
يقول جابر الحاج في كتاب «الفراعنة الصغار في هيلتون الناصرية» عن محاولة اغتيال «الإخوان المسلمين» جمال عبد الناصر التي يؤكد في كتابه هذا أنها عبارة عن مسرحية وتمثيلية: «وأذكر بالفضل الأستاذ عباس العقاد -رحمه الله- فقد عاش ومات ولم ينخدع في الثورة ولا في مسرحيات جمال. وفي الأيام التالية للمسرحية اجتاحت الصحف الإعلانات المثيرة، والمقالات الدالة على بلاهة كاتبيها، ولا أجد ما أصفهم به غير البلاهة التي تسرق عقل صاحبها، وتترك له أذناً تصدق ما تسمع، ولساناً يهرف بما لا يعرف. وعملاق الآداب الأستاذ العقاد -رحمه الله- يكتب في (أخبار اليوم): (أغاخان يكشف الستار في مذكراته عن الرجال الذين عرفهم)». ثم أحال إلى تاريخ نشر مقاله في هذه الجريدة، وهو 30-10-1954.
هو يقصد أنه بعد حادثة المنشية التي هو ينكرها تتالت مقالات صحافية تدين جريمة «الإخوان المسلمين» في محاولة اغتيال رئيس مجلس قيادة الثورة، ورئيس مجلس الوزراء، جمال عبد الناصر. وكان العقاد في هذا الوقت يعرض «مذكرات أغاخان» الزعيم الهندي الروحي للطائفة الإسماعيلية، الصادرة حديثاً في ذلك العام باللغة الإنجليزية، غير عابئ بتلك الحادثة لأنه غير مصدق بها!
من نجاحات الدعاية الإخوانية أنهم ألقوا في روع طائفة من الناس غير محسوبة على طائفتهم، أن حادثة المنشية مجرد تمثيلية أخرجها عبد الناصر، وقام فيها بدور البطل المغدور به!
فحادثة المنشية في سلّم عنايتهم بنفي وإنكار عمليات الاغتيال والعنف الذي قاموا به تحتل المرتبة الأولى، ويليها في الأهمية انقلاب عام 1965 بقيادة سيد قطب الذي هو أيضاً يعتبرونه تمثيلية مدبرة!
ولأن تلك الحادثة تحتل المرتبة الأولى في نفيها وإنكارها، ثمَّنوا صمت العقاد عنها أيما تثمين... وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو