أربعون عاماً كأنها لم تكن

أربعون عاماً كأنها لم تكن

الخميس - 27 محرم 1444 هـ - 25 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15976]

لو ظَهر شخص في صيف 1982 وقال للبنانيين، إن أوضاع بلدكم بعد أربعين عاماً ستكون أسوأ مما هي عليه في ذلك اليوم، لما صدقه أحد ولرُمي بالحجارة وطرد كالمشعوذين الدجالين.
شهد ذاك الصيف الاحتلال الإسرائيلي لبيروت وبدايات الاستقطاب الطائفي الذي أفضى إلى حرب الجبل بعد عام، وانهيار مشاريع اليسار والمسلمين مع هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية وخروجها من لبنان، وانتكاسة كبرى لليمين والمسيحيين بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل (مع ما في تصنيفات من نوع اليسار واليمين والمسلمين والمسيحيين من اختزال). وتأسس في تلك الأيام «حزب الله» الذي ظل قوة هامشية حتى أواخر الثمانينات. وانطلقت مقاومة غير طائفية ضد الجيش الإسرائيلي، صمدت أعواماً عدة وحققت إنجازات ملموسة قبل أن تنجح قوى الطوائف في تطويقها وخنقها وتبديد شمل قاعدتها السياسية واستمالة جمهورها وتعبئته في صفوف قوى مسلحة أوضح انتماء إلى عقلية الهوية وسياستها.
كان صيفاً حافلاً بمزيج من الكوارث والأوهام والمشاريع الطوباوية. لقاء بين نهايات كل إمكانية لمصالحة لبنانية تحيي صيغة ونظام ما قبل حرب 1975، وختام حقبة المقاومة الفلسطينية ودويلتها في حي الفاكهاني وانغماسها في صراعات العشائر اللبنانية، وبين بدايات فصول جديدة من الاقتتال الأهلي المستند إلى دعم دول قريبة وبعيدة جلّها يضمر احتقاراً شديداً لأتباعه اللبنانيين، على ما ظهر في كتب المذكرات ويوميات الحرب.
الأوهام كانت متباينة أيضاً. هناك من آمن (وما زال يؤمن) أن قوة طائفة ما، سواء باستقوائها بحليف خارجي أو باستثمارها في تناقضات الخصوم وإخفاقاتهم، تكفي لحكم بلد مؤلّف من جماعات لا تتفق على تفسير الحاضر ناهيك عن تاريخها الحديث والقديم. وننحي جانباً قدرة كل واحدة من الجماعات هذه على عرقلة كل ما يتيح للطرف القوي تحقيق ما يصبو إليه من إطباق على مؤسسات الدولة والمجتمع. ولقائل أن يعترض بالقول إن ما يُعرف بـ«المارونية السياسية» نجحت في ترويج سردية تاريخية هيمنت، بنجاح نسبي، على لبنان طوال خمسين عاماً. يفوت القائل هذا أن تأييداً عابراً للطوائف مُنح للسردية المذكورة بعدما تبينت قدرتها على إرضاء كل «العائلات الروحية» وخصوصاً زعاماتها. ولم تواجه الرواية التاريخية تلك تحدياً يذكر قبل أن يتبدل الميزان الديموغرافي الطائفي وأن تظهر نخب متعلمة في الطوائف «المحرومة» وأن يدخل العدوان الإسرائيلي على قرى الجنوب ومخيماته والعمليات الفدائية الفلسطينية (من دون أن نتورط في جدال حول السبب والمسبب في هذه الثنائية) كعنصري تسريع للتناقضات اللبنانية الداخلية.
لكن على الرغم مما تقدم، لم يكن لأحد من اللبنانيين أن يتصور في أسوأ كوابيسه أن بلده سيكون بعد أربعين عاماً في وضع كارثي تتجاوز مأساويته ما كان عليه في صيف 1982، وأن الانهيار سيشمل النظام السياسي الذي سيتحول إلى جثة لا تجد من يدفنها، وأن قسماً كبيراً من شعبه لا يجد قوته إذا لم تصله دولارات قليلة من المغتربين في بلاد الله الواسعة، وأن الكهرباء ستختفي ولن يراها المواطن إلا لأقل من ساعة في اليوم، ناهيك عن الانفلات الأمني وسقوط العملة الوطنية وتفجير مرفأ العاصمة ومجمل ما بات على كل شفة ولسان.
وأربعون عاماً ليست عدداً قليلاً من السنوات في تاريخ الدول. إذا قارنا بين ما كانت عليه ألمانيا واليابان عند نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 وما صارتا عليه بعد أربعين عاماً، فستُرفع سريعاً لائحة الاعتراضات على المقارنة والمؤلفة من بنود معروفة قوامها «خطة مارشال» والاحتضان الأميركي لليابان وظروف الحرب الباردة، وأن البلدين كانا قوتين اقتصاديتين عملاقتين قبل الحرب وتملكان قواعد صناعية وعلمية... إلخ.
بيد أن ثمة ما يقابل الاعتراضات هذه ويبطلها وهو قبول هذين البلدين بإصلاح نظاميهما واعترافهما، بصراحة أو على مضض وتحت ضغط الحلفاء، بالجرائم التي ارتكبها كل منهما وانطلاقهما في تغيير شكل الحكم وتبني النظام الديمقراطي وسلسلة طويلة من التغييرات في «البنية الفوقية» الثقافية والآيديولوجية قادت إلى تبدل عميق في الرأي العام وفي منظومة القيم. غني عن البيان أن العمليات هذه لم تجر كلها بسلاسة ولم يخلُ أكثرها من صعوبات ومن صدامات مع ماضٍ لا يرضى أن ينطوي بسهولة. لكن الأهم هو القابلية للتغيير وللاعتراف، العلني والضمني، بخطأ المسار الذي سار البَلَدان عليه وأدى إلى دمارهما.
أما في لبنان، وبعد ما يقارب الأعوام الثلاثة على اندلاع أزمة لا سابق لها وانهيار الدولة والرضات القاسية التي أصيب المجتمع بها، فلم تتخذ السلطة خطوة واحدة في اتجاه وقف الانحدار إلى قعر القعر. أما مباشرة الخروج من الهاوية فحلم لا سبيل للوصول إليه.
ولا ترمي المقارنة بين أحوال دول تعرضت لنكبات إلى تقريظ بعضها وتبخيس البعض الآخر، بل إلى محاولة فهم الدوافع التي تجعل شعباً يقبل بإعادة النظر في ماضيه ويصنع مستقبله وفقا لما تقتضيه المصلحة (وليس لما «تعلم من دروس» فلا أحد يتعلم شيئاً من التاريخ)، وبين شعوب تتمسك بخرافاتها حتى لو ساقتها هذه إلى دروب العوز والذل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو