النساء الأفغانيات يتأملن ذكرى الانسحاب الأميركي من البلاد

النساء الأفغانيات يتأملن ذكرى الانسحاب الأميركي من البلاد

الأربعاء - 20 محرم 1444 هـ - 17 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15968]
ناهد شاه أليمي
* خدمة «نيويورك تايمز»

كان يوم 15 أغسطس (آب) 2021 يوماً حالكاً بالنسبة لأفغانستان وللنساء الأفغانيات بوجه خاص، حيث تولت حركة طالبان مقاليد حكم البلاد، وتم تجريد النساء من كافة حقوقهن فيما بدا لحظة واحدة. في غضون أيام قليلة باتت نساء عاملات قضين حياتهن في الدراسة والعمل والسعي وراء مسيرات مهنية يخشين المشي في الشوارع، ويشعرن بالأمن في المنزل فقط. منذ تولي النظام الجديد للسلطة صدرت العشرات من أوامر الحظر والمراسيم التي تقيد حرية النساء. كذلك عزل النساء من كافة المناصب الحكومية رفيعة المستوى، ومنع الفتيات من الالتحاق بالتعليم الثانوي. ولم يعد مسموحاً للنساء في بعض المناطق بالظهور في الدراما التلفزيونية، أو الحصول على رخصة قيادة، أو السفر لمسافات طويلة بدون صحبة أفراد ذكور من العائلة. كذلك تم منع سائقي سيارات الأجرة من توصيل النساء اللاتي لا يرتدين حجاباً للرأس، وتم تطبيق نظام الفصل بين الجنسين في المتنزهات العامة.
كذلك تم إلغاء وزارة شؤون المرأة في سبتمبر (أيلول) 2021 ليحل محلها وزارة الصلاة والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي مثل شرطة للأخلاق تخضع لإشراف وزير من حركة طالبان. ويتكون مجلس الوزراء بالكامل من رجال، فالنساء غير مرغوب فيهن، وغير مسموح بوجودهن داخل ما يسمى حكومة إمارة أفغانستان الإسلامية. وقد أعلنت حركة طالبان في مايو (أيار) أن على النساء ارتداء ملابس تغطي أجسامهن بالكامل من الرأس حتى أخمص القدمين، ويُفضل أن يكون البرقع، في الأماكن العامة.
شهدت جميع أنحاء البلاد احتجاجات، تقود النساء الكثير منها، لكنها من الأفعال التي تشكل خطراً على الحياة، فالعقوبات على المشاركة فيها تشبه تلك التي كانت مطبقة في العصور الوسطى. على سبيل المثال، كان من المعروف عن حركة طالبان ضربها للمتظاهرين والمراسلين الصحافيين بالسياط والأسلاك. ولم يكن لدى النساء وقت للحداد لمدة لا أتذكر مدى طولها. توالت الكوارث الواحدة تلو الأخرى، وفقدنا أحباءنا ووطننا وحريتنا وآمالنا. لقد تم حرمان كامل الأمة وشبابها الآن من التعليم والمعلومات والمستقبل.
مع ذلك لم تستسلم النساء الأفغانيات، حيث لا يزلن يمثلن قوة سياسية واجتماعية كبيرة وإن كانت محرومة من حقوقها. تنظم بعضهن الاحتجاجات، في حين تتولى أخريات مسؤولية التحركات الدولية على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضاً دشنت بعضهن أعمالاً ومدارس وشبكات معلومات. إنهن يقاومن بشكل هادئ وأحياناً بصخب. إن الحديث معهن يمنحني قوة للإيمان بوجود مستقبل مرة أخرى، لقد وجدنا الأمل في التضامن.
خلال شهر أغسطس الماضي كنت أعمل في مكتب الرئيس، وكانت وظيفتي تشمل العمل على مشاريع كبرى من بينها إنشاء متنزهات محلية وتدشين بوابات إلكترونية خاصة بالتغذية المرجعية من أجل الشكاوى والالتماسات. وكان يوم 15 أغسطس هو آخر يوم عمل لي، حيث طُلب منا مغادرة القصر الرئاسي في كابل لأن المدينة كانت تنزلق نحو الفوضى، وقد رأيت أناساً يركضون للنجاة بحياتهم. لقد دخلت حركة طالبان القصر الرئاسي في ذلك اليوم، وكان يغمر من عاشوا تجربة صعود حركة طالبان لسدة الحكم للمرة الأولى شعور بأن الأمر مألوف وقد شوهد سلفاً.
سرعان ما نظمت مظاهرة مع العديد من النساء الأخريات، وبدأ وسم #النساء الأفغانيات موجودات الذي استخدمناه في الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، وانضمت إلينا الكثير من النساء. كان بعضهن يشعرن بالخوف، حيث كان يتم التعامل مع الاحتجاجات التي ننظمها بطريقة عنيفة من جانب الحرس التابع لحركة طالبان، ويتم تعذيب المتظاهرات وتهديدهن باستخدام الغاز المسيل للدموع ومؤخرة البنادق والهراوات والسياط ضدهن. نتيجة لذلك الخطر، قررت مغادرة أفغانستان، وأنا أعمل حالياً على تحقيق التقدم لحركتنا من خلال المؤتمرات الصحافية والمقالات والمقاطع المصورة والتجمعات عبر الإنترنت. وقد أعلنا يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 ليكون يوم تضامن نسائي عالمياً مع المرأة الأفغانية، وشهدنا مشاركة عالمية سواء على مستوى الحضور الشخصي وكذا على مواقع التواصل الاجتماعي. إن حركتنا تنمو وتزدهر، ونحظى بدعم مئات الناشطات من جميع أنحاء العالم، ونعتزم الاستمرار من دون إبطاء. عندما ترفع النساء الأفغانيات أصواتهن، سواء كن داخل أفغانستان أو خارجها، فسيكون ذلك مؤشراً يدل على وحدتنا وتضامننا.
لقد وُلدت في كابل عام 1988، وكانت أمي تعمل مذيعة أخبار في تلفزيون الدولة الأفغانية، ودرس أبي الطب، وكان يعتني بي. وكان اعتناء رجل بأبنائه بينما تعمل زوجته أمراً نادراً آنذاك كما هو الآن. رغم نشأة أمي في مجتمع ذكوري للغاية مثل المجتمع الأفغاني، أو ربما بسبب ذلك تحديداً، كانت تتمتع بثقة في ذاتها عادة ما تكون حكراً على الرجال في المجتمع. حين كنت طفلة كنت أشاهد أمي على شاشة التلفاز في فقرة الأخبار المسائية كل ليلة في شقتنا، وأتذكر أن مشاهدتي إياها على شاشة التلفاز تتحدث عن أمور مهمة كانت تقوي عزيمتي وتشجعني.
كانت أفغانستان مقارنة بدول الجوار تتمتع بحرية صحافة نسبية إلى أن تولت حركة طالبان السلطة في أغسطس الماضي. رغم انتشار وتوغل الفساد والعنف في البلاد، كانت وسائل الإعلام تحمل الأمل، وتجعل من المتاح للناس اختيار المعلومات التي يتلقونها؛ وقد أتاح لهم ذلك بدوره تكوين آرائهم الخاصة بشأن القضايا والأمور. وخلصت إلى أن الإعلام كان واحداً من أقوى أعمدة الديمقراطية الأفغانية الهشة، وكان هذا من الأسباب التي دفعتني إلى أن أصبح صحافية.
في استطلاع رأي تم إجراؤه مؤخراً، وشمل أكثر من 500 صحافية في أفغانستان، ذكرت 60 في المائة منهن أنهن خسرن وظائفهن منذ تولي حركة طالبان للسلطة، في حين ذكرت 87 في المائة منهن أنهن تعرضن لتمييز قائم على النوع خلال الفترة نفسها. لا أعلم ما يحمله لنا المستقبل، لكن لا يمكن للأمور أن تستمر على هذا المنوال. أملي أن تتمكن كل فتاة في أفغانستان من العثور على مصدر إلهام مثل أمي يساعد في تمهيد الطريق لهن حتى يصبحن نساء يتمتعن بالقوة والعزيمة.
هرب والدي من مدينة هرات، الواقعة غرب أفغانستان، إلى إيران كلاجئين بعد الغزو السوفياتي للبلاد. عدت إلى أفغانستان عام 2002 بعد عام من سقوط نظام طالبان والغزو الأميركي للبلاد، من أجل الالتحاق بجامعة هرات. وفي 2015 أسست مدرسة «كود تو إنسباير»، وهي مدرسة برمجة للنساء والفتيات تستخدم التكنولوجيا والتعليم وتقديم الخدمات من أجل توفير قوة دافعة للنساء في أفغانستان في معركتهن من أجل المساواة. وكانت النتائج مذهلة، ووجدت الكثير من خريجات المدرسة عملاً في مجتمعاتهن المحلية، وكانت بعضهن تجني قدراً من المال أكبر من الذي يجنيه الرجال الذين يعملون في وظائف مماثلة. تمنح القدرة على جني المال النساء فرصة أكبر للتأثير في بيئاتهن وبيوتهن وفي مجتمع مثل المجتمع الأفغاني. بمجرد أن تسهم النساء في مصروفات المعيشة يتم الإصغاء إليهن. لا تزال المدرسة تعمل رغم أن أكثر الفصول أصبحت عبر الإنترنت. إن ما يتصدر قائمة أولوياتي حالياً هو ضمان حصول طلبتي على وظائف تتيح لهن جني المال وتحقيق الاستقرار. مع ذلك من المهم أن يتفاعلن سوياً، فعندما يأتين إلى المدرسة يومياً، ويرين نساء مثلهن، يعلمن أنهن لسن وحدهن.
هناك قول لجلال الدين الرومي أعتقد أنه ينطبق على ما يحدث في أفغانستان حالياً هو: «أينما يوجد آثار منهدمة، فهناك أمل في العثور على كنز». عندما أتطلع إلى التاريخ الأفغاني، وما فيه من عقود الحرب والصراع والظلم، وأقارنه باليوم، وأرى تكرار الأحداث، كل ما أراه هو الخراب. مع ذلك عندما ينقب المرء في تلك الآثار المنهدمة دائماً ما يكون هناك احتمال للعثور على شيء ذي قيمة. الفتيات الأفغانيات هن الكنز بالنسبة لي، فإذا استطعت أن أمنحهن الأدوات التي يحتجنها ليصبحن في أفضل حال ممكن، سوف تظل أمام أفغانستان فرصة للنمو والازدهار. ما زلت أعتقد أن بمقدورنا تجاوز التحديات الحالية، وأبذل قصارى جهدي لمواصلة العمل الذي نقوم به.
في الوقت الذي يزعم فيه نظام طالبان أنه أكثر انفتاحاً فيما يتعلق بحقوق المرأة وحقوق الإنسان الأساسية للشعب الأفغاني، تثبت أفعاله عكس ذلك تماماً. ففي وقت كتابة هذه السطور، منعت حركة طالبان الفتيات من الذهاب إلى المدارس بعد الصف السادس، وأجبرت كل النساء اللاتي كن يعملن لدى الحكومة تقريباً، وكذلك من كن يعملن في شركات خاصة، على البقاء في منازلهن. إنهم يمتصون الحياة من البلاد، حتى أنهم بدأوا في منع الموسيقى. هناك جيل جديد من الفتيات يخضع ببطء لواقع لا يستطعن فيه عيش الحياة اللاتي كن يتوقعنها. تم إجبار الفتيات والنساء، اللاتي كن قد بدأن للتو الشعور بآدميتهن، على أن يصبحن أسيرات في بيوتهن مرة أخرى.
إذا لم تصغ حركة طالبان إلى الشعب الأفغاني، ولم تدرك الواقع، فسوف تخسر. إن طريق التقدم الوحيد هو عبر الوحدة، حيث تحتاج بلادنا إلى الإصلاح، ونحن بحاجة إلى التآزر.
* ناشطة أفغانية وصانعة أفلام ومؤلفة ومحررة المجموعة المرتقب صدورها التي تحمل اسم «ما زلنا هنا: نساء أفغانيات عن الشجاعة والحرية والمعركة من أجل الإصغاء إليهن».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو