أميركا... الحزب الثالث و«المدينة فوق جبل»

أميركا... الحزب الثالث و«المدينة فوق جبل»

الأربعاء - 5 محرم 1444 هـ - 03 أغسطس 2022 مـ رقم العدد [15954]
إميل أمين
- كاتب مصري

في اليوم نفسه من الأسبوع الماضي، أعلن سياسيون أميركيون عزمهم على تأسيس حزب سياسي وطني جديد، أطلقوا عليه اسم «فورورد»، والذي يعني إلى الأمام.
على رأس هذا الحزب يجيء، أندرو يانغ، مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية في عام 2020، والحاكم الجمهوري السابق لولاية نيوجيرسي، تود ويتمان، ما يعني أن أعضاء سابقين من الحزبين الرئيسيين، هما عماد التوجه السياسي الحزبي الأميركي الجديد .
هل أميركا في حاجة حقيقية إلى حزب جديد؟ وما هي الخصائص والمواصفات المطلوب توافرها في هذا الحزب، ثم لماذا الإعلان في هذا التوقيت، وقبل نحو ثلاثة أشهر من أكثر انتخابات نصفية سخونة وجدلا، وتستبق ربما أخطر انتخابات رئاسية في 2024؟
حذر جيمس ماديسون، رابع رئيس للولايات المتحدة (1809-1817)، والذي ينسب إليه الفضل في اقتراح الإطار الرئيسي للدستور الأميركي، في الورقة الفيدرالية رقم 10 التي كتبها سنة 1787 لإقناع مواطني نيويورك بالتصديق على الدستور الفيدرالي الجديد، من شرور الطوائف أي الأحزاب بلغة اليوم، والتي تتعارض مع حقوق المواطنين الآخرين، ومع مصالح المجتمع الدائمة والكلية، كما حذر جورج واشنطن (1789-1797)، في خطبة الوداع التي وجهها للأمة لدى رحيله عن سدة الرئاسة، بكل جدية، من الآثار الوبيلة للعصبية الحزبية.
ولعله من متناقضات القدر أن يضحي مؤسسو الأمة هولاء، الذين كانوا يخشون الطوائف، وجادلوا ضد الأحزاب السياسية، زعماء أول الأحزاب نشأة، حيث كان الحزب الديمقراطي – الجمهوري الجيفرسوني، أول حزب سياسي حديث في البلاد.
والثابت أنه وطوال المائة والخمسين سنة الماضية، هيمن الديمقراطيون والجمهوريون على السياسة الانتخابية الأميركية، بصفتهما أصحاب الحزبين الكبيرين، ولم يفز بالرئاسة متسابق من أي حزب آخر، ولم يكسب أتباع أي حزب آخر وضع الأغلبية في الكونغرس.
نحو أربعة عشر حزباً، تعمل اليوم في الداخل الأمريكي، لكن الصوت المسموع لا يتجاوز اثنين، الديمقراطي والجمهوري، ودبيب خفيف لحزب الخضر، عطفاً على همس الحزب الليبرالي، وحزب الدستور.
تبدو اليوم الحياة الحزبية الأميركية في مأزق، الأمر الذي تبدى بوضوح في انتخابات عام 2016، حيث فرض رجل العقارات الشهير، دونالد ترمب، حضوره، وقبل الحزب الجمهوري على مضض ترشيحه، فيما المفاجأة تجلت في فوزه، وكأن المسيرة برمتها ما كانت تعكس سوى أمر واحد، وهو ملل وسأم الأميركيين من المؤسسة السياسية التي سادت، ويظن البعض أنها بادت، أدبياً على الأقل.
يقول المؤسسون لحزب «فورورد»، إن قراره انطلق من حاجة ماسة، وتلبية لمطالب ملايين الناخبين المستائين من تفرد الحزبين الكبيرين بمقدرات الحياة السياسية في البلاد على مدى قرن ونصف القرن.
الذين قدر لهم متابعة ما ينشر على الموقع الخاص بالحزب الجديد، تعود بهم الذاكرة إلى رؤية بيوريتانية كانت ضمن الأفكار التي دعمت نشوء أميركا وارتقاءها، فكرة «المدينة فوق جبل»، فالحزب الجديد يرفض حالة التطرف السياسي، والتي تكاد تذهب بسلام أميركا الداخلي، لا سيما في ضوء الاستقطاب الحزبي السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين، والذي يخشى من أن ينفلت ليضحي مواجهات عنيفة عما قريب، وبتأثير من التجاذبات السلبية حول النسيج المجتمعي المتآكل، والأوضاع الاقتصادية المتراجعة، وحالة عدم اليقين المحلقة فوق سماوات البلاد والعباد.
تقوم مبادئ «فورورد» على التفكير المتنوع والخلاق، الأمر الذي يعني الترحيب بالأفكار والمبادرات الجريئة والجديدة، وبعيداً عن حالة التكلس السياسي التي كادت تحوّل أميركا إلى فسطاطين أو دارين للحرب والسلام، كما تفتح منطلقات الحزب الجديدة المساقات الذهنية أمام المحادثات الخلاقة حول القضايا الآنية شديدة الخطورة والوعوة، ومن دون فرض رؤى شمولية على الأميركيين.
ملامح المدينة فوق جبل سوف تتضح في توجهات الحزب، والذي سينطلق رسمياً في مدينة هيوستن بولاية تكساس في 24 سبتمبر (أيلول) المقبلة، فيما سيعقد أول مؤتمر وطني للحزب الصيف المقبل، ما يعني استباق انتخابات الفخ الأكبر في نوفمبر 2024 بعام.
على أن ما يتوافر حتى الساعة من معطيات يفيد بأن هناك رغبة حقيقية في تنحية حالة «التطرف الحزبي»، وإيجاد طرق عملية لجعل أميركا أفضلَ بالفعل لا بالقول، وذلك عبر العمل معاً للتوصل إلى حلول تعاونية، والأهم في هذا كله أن تمضي العملية السياسية ضمن سياقات الرحمة والتسامح.
مؤسسو «فورورد»، يحلقون في مدارات ثلاثة ويبغون اللحاق بها، حرية الناس، ومجتمعات مزدهرة، وديمقراطية نابضة بالحياة، وذلك عبر طريقين: تنشيط اقتصاد عادل ومزدهر، ومزيد من الخيارات الانتخابية.
التساؤل المهم قبل الانصراف: هل ستترك الدولة الأميركية العميقة، ونظيرتها المظلمة، عطفاً على الفرع الرابع للحكومة المركزية الأميركية، الفرصة لصحوة سياسية داخلية يمثلها «فورورد»، أم أن تشابك الخيوط وتداخل الخطوط بين جماعات المصالح، والقوى الماورائية الأميركية ستقطع الطرق حكماً على حلم الأمام؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو