تختلف رؤية الإنسان لمشكلته الصحية عن رؤية غيره لها، وذلك تبعًا لطبيعة البشر في عدم الحيادية حينما تكون المشكلة الصحية لدى الشخص نفسه بخلاف ما لو كانت تلك المشكلة الصحية لدى غيره. والتقلبات المناخية أحد المتغيرات الحياتية التي لا شك أن لها تأثيرات صحية ونفسية واجتماعية، ولذا أصبحت أخبار الطقس المتوقع لليوم أحد عناصر وجبات الإفطار اليومي للكثيرين. وصحيح أن اعتدال درجة حرارة الأجواء عامل صحي ونفسي وبدني واجتماعي مهم في سلامة وصفاء ونشاط وإنتاجية المرء اليومية، إلا أن النظرة تختلف بالنسبة للارتفاعات الشديدة في درجات الحرارة وللانخفاضات الشديدة فيها.
وفي حين يتصور منْ يقطنون المناطق ذات الحرارة المرتفعة أنهم سيُعانون صحيًا بشكل يفوق غيرهم وخصوصا عند سماعهم أخبار احتمالات حصول موجات من الحرارة المرتفعة في فصل الصيف، يرى منْ يقطنون المناطق الباردة أنهم هم منْ سيُعانون صحيًا بشكل أكبر وخصوصا عند سماعهم أخبار احتمالات حصول موجات من البرودة الشديدة في فصل الشتاء.
الباحثون من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي نشروا، ضمن عدد 20 مايو (أيار) لمجلة «لانست The Lancet» الطبية، نتائج دراستهم تأثيرات التغيرات المناخ الحرارية على الوفيات، وكانت الدراسة بعنوان «المناخ والصحة: الوفيات التي تعزى للحرارة والبرودة».
ولاحظ الباحثون في نتائج دراستهم أنه وعند مقارنة حساب الوفيات في مناطق مختلفة من العالم، فإن الوفيات بسبب الأجواء الباردة للشتاء هي أكبر بمقدار 20 ضعفًا مقارنة بالوفيات التي تتسبب بها ارتفاعات الحرارة الشديدة في أيام الصيف الحارقة. ليس هذا فحسب، بل إن الوفيات الناتجة عن حرارة الأجواء أو برودتها كانت أعلى حينما تكون تلك الارتفاعات أو الانخفاضات في الحرارة بدرجة متوسطة وليست بدرجة شديدة!
وتوصل الباحثون في دراستهم إلى هذه النتائج بإجراء تحليل مراجعة لأكثر من 74 مليون حالة وفاة حصلت فيما بين عامي 1985 و2012، في أكثر من 384 موقعًا بـ13 دولة مختلفة في أجوائها المناخية وموزعة بشكل متناثر على خريطة العالم، مثل السويد وإيطاليا واليابان والصين والبرازيل وتايلاند والولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وغيرهم.
وعلق الدكتور أنطونيو غاسباراني، الباحث الرئيس في الدراسة، بالقول: «وفي حين يُفترض كثيرًا أن موجات الارتفاعات أو الانخفاضات الشديدة في درجة الحرارة هي المتسببة في الوفيات الناجمة عن تلك التغيرات الحرارية المناخية وأن موجات ارتفاع الحرارة بالذات هي المسؤولة بشكل أكبر عن عدد أعلى من الوفيات، فإن نتائج هذه الدراسة تظهر أن غالبية الوفيات ذات الصلة بتغيرات الحرارة المناخية تحصل بالفعل حينما تكون التغيرات تلك بدرجة متوسطة وليست شديدة، وخصوصا التغيرات المتوسطة الشدة للبرودة وليس ارتفاع الحرارة الشديد».
وقال الباحثون في نتائج دراستهم إن البرودة هي السبب في نحو 7.5 من وفيات تقلبات الحرارة، بينما ارتفاع الحرارة كان السبب في أقل من 0.5 منها، وأن الوفيات نتيجة البرودة أو الحرارة الشديدة تمثل فقط 1 في المائة من مجمل الوفيات المرتبطة بتقلبات الحرارة التي هي بالمتوسط، وفي أماكن العالم المختلفة، لا تتجاوز نسبة 8 في المائة بالمقارنة مع الأسباب الأخرى للوفيات كالحوادث والكوارث الطبيعية والأمراض والحروب وغيرها.
ومن النتائج أيضًا، أن تقلبات الحرارة كانت السبب في 3 في المائة من الوفيات في دول مثل تايلاند والبرازيل والسويد، بينما كانت السبب في 11 في المائة من تلك الوفيات في دول مثل إيطاليا والصين واليابان.
والواقع أن نتائج هذه الدراسة تعيد شيئًا من التوازن إلى النظرة حول تأثيرات التقلبات المناخية في جانب الحرارة وتأثيراتها على السلامة الصحية واحتمالات تسببها بالوفيات. كما أنها تعيد التوازن في النظر، بواقعية نتائج الإحصائيات الطبية العالمية، حول تأثيرات الارتفاع الشديد في الحرارة على سلامة حياة الإنسان مقارنة بالانخفاض الشديد فيها. وإضافة إلى كل هذا تعيد شيئًا من التوازن في النظر إلى موجات الارتفاع الشديد في الحرارة مقارنة بالارتفاع المتوسط فيها لجهة احتمالات تسببها بتأثيرات صحية ضارة.
وصحيح أن هذه النتائج العلمية قد لا تكون منطقية لدى البعض ولكن غالبية أضرار ارتفاع أو انخفاض الحرارة مثلاً هو عند عدم اتخاذ المرء الاحتياطات اللازمة لتفادي تأثيرات تلك الارتفاعات أو الانخفاضات المتوسطة الشدة مقارنة بالاحتياطات المتخذة عند المعرفة بحصول موجة شديدة من ارتفاعات أو انخفاضات الحرارة المناخية والتي سيتحدث عنها الجميع وسيهتم بها غالبية الناس.
هذا من جانب التوازن في النظرة، وهناك جانب الاهتمام في اتخاذ التدابير الوقائية بالعموم من قبل الناس، والتي يجدر أن تستمر طوال الوقت، بمعنى الاهتمام في المناطق الحارة بالعموم بوسائل الوقاية عبر تقليل التعرض المباشر لأشعة الشمس والاهتمام بتكييف الهواء لكبار السن وصغار السن والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة وغيرهم ممنْ يتأثرون أكثر من غيرهم بالارتفاعات المتوسطة للحرارة، وكذا في احتياطات حالات التعرض للبرودة المتوسطة الشدة.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
