من المعتاد عندما يقترب شخص ما من الموت أن يفكر في حياته وكيف عاشها: هل قضى حياته بحكمة أم أهدرها؟ وهل كان يفعل الخير أم أذى الآخرين؟
نفس الشيء يحدث مع الموت السياسي. فبينما تلتقط حكومة بوريس جونسون أنفاسها الأخيرة، يفكر الكثيرون منا في كيف قضى رئيس الوزراء وزملاؤه ما يقرب من ثلاث سنوات في السلطة وفي الأضرار التي أحدثوها. لا أقصد مرشحي منصب زعيم حزب المحافظين الجدد؛ رغم أنهم مستعدون للمضي قدماً في هذا الاتجاه.
أعلن أكثر من عشرة مرشحين عن نيتهم استبدال جونسون، وما يريد غالبيتهم التحدث عنه حقاً هو الضرائب التي سيخفضونها وكيف سيعملون على إصلاح أوضاع البلاد. لكن آمل أن يغفروا لي إذا لم أرَ أياً منهم كرجال إنقاذ. أعتقد أن السبب في ذلك هو أنهم قضوا وقتاً طويلاً في دعم أسباب الغرق.
استقال جونسون الخميس الماضي بعد أن استقال زملاؤه المحافظون بشكل جماعي. وكان ساجد جافيد، وزير الصحة، وريشي سوناك، وزير الخزانة، أول المستقيلين مساء الثلاثاء. تبعهما آخرون بسرعة حتى استقال أكثر من 50 شخصاً، ولم يعد لدى جونسون، رغم احتجاجاته، القدرة على متابعة الأرقام.
بالنسبة للناخبين البريطانيين، كان من الغريب مشاهدة الوزراء الذين دعموا جونسون من خلال سلسلة لا تنتهي من التحولات السياسية والفضائح يقررون فجأة أنه لا يستحق المنصب. (بدت الصحافة البريطانية اليمينية أيضاً غاضبة، وقد دافعت حتى الآن بخنوع عن جونسون، حتى عندما كان يختبئ عن المراسلين).
لطالما ظهرت شخصية جونسون - النرجسية المهملة - لأي شخص يهتم بالمظهر. وكان زملاؤه يعرفون دائماً أن لديه علاقة عرضية مع الحقيقة. فقد رأوا في جونسون متظاهراً عظيماً سيقول كل ما هو مطلوب لكسب الأغلبية ثم إخراج البلاد من الاتحاد الأوروبي، بغض النظر عن العواقب. إذا كان الأسبوع الماضي أسبوعاً مخزياً جداً للسياسة البريطانية في كل مكان، فإن بعض الجوانب كانت أسوأ من الوزراء الذين تظاهروا بأن حقيقة جونسون كانت مفاجأة إلى حد ما.
لقد رحل الآن وألقى العديد من المرشحين للرئاسة قبعتهم في الحلبة، لكن هل من المفترض حقاً أن نصدق أن الضرر قد انتهى؟
فازت حكومة جونسون في الانتخابات العامة بأغلبية ساحقة في نهاية عام 2019 بتعهد «بإنهاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي» ووقف ما يقرب من عقد من تقشف حزب المحافظين. ومع ذلك، بمجرد الانتهاء من مهمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كانت أجندة السياسة الأوسع عبارة عن مزيج من القسوة وانعدام الكفاءة.
أنشأت الحكومة خطة رعاية اجتماعية أبعد ما تكون عن الرعاية الاجتماعية. فقد خفضت مدفوعات الضمان الاجتماعي للأسر التي كانت عاجزة بالفعل عن توفير وجبات طعامها بانتظام. فقد عملت على تعزيز قوانين قللت من حقوق الاحتجاج وقدمت مشروع قانون انتخابات مثيراً للجدل. وتعهد جونسون بـ«حماية» الخدمة الصحية الوطنية طوال فترة انتشار الوباء، ولكن مع مغادرته منصبه، كان على المرضى انتظار دورهم في العلاج لفترات قياسية. وادعى أنه سيتم بناء 40 مستشفى جديداً بحلول عام 2030، ولكن منذ حوالي أسبوع، أعلنت هيئة الرقابة الرسمية على الإنفاق الحكومي عن تحقيق في هذا الادعاء، على ما يبدو، غالبيتها مجرد توسعات أو تجديدات للمستشفيات القائمة.
كان الوباء هو المثال الأكثر إدانة لإخفاقات هذه الحكومة، حيث فُرضت عمليات الإغلاق في وقت متأخر وعلى مضض، مما أدى إلى وفاة 20 ألف شخص، وفقا لأحد التقديرات. في مناقصة عقود معدات الحماية الشخصية، قامت حكومة جونسون بعمل أفضل في تكديس جيوب الأصدقاء والمانحين بدلاً من حماية الجمهور. مثال على ذلك: خصصت ما يعادل 44 مليار دولار من الأموال العامة على نظام الاختبار والتتبع الذي لم نلحظ منه «فرقاً» عن ذي قبل في كبح انتشار الفيروس.
بحلول يناير (كانون الثاني) من العام الجاري، أصبحت بريطانيا أول دولة في أوروبا تشهد 150 ألف حالة وفاة بسبب فيروس «كوفيد». وبما أنك سئمت بلا شك من القراءة، تذكر أنه في الوقت الذي كان فيه الناس يموتون، كان جونسون يشارك المحافظين احتفالاً صاخباً جرى في مقر رئيس الوزراء الكائن في «10 داونينغ ستريت»، فيما كانت بقية البلاد في حالة إغلاق صارم... وهو أوضح دليل على اللامبالاة التي يتسم بها جونسون. لكنهم عثروا على أكثر من كبش فداء وأجبروهم على الاستقالة واستمرت الحكومة.
ثم جاء التضخم المرتفع العام الجاري، والذي بلغ 9 في المائة في مايو (أيار)، وأزمة تكاليف المعيشة المصاحبة التي جعلت الضرورات مثل الغذاء والطاقة والوقود بعيدة المنال بالنسبة للكثيرين. بعض العائلات التي لجأت إلى بنوك الطعام - ارتفع عدد الأشخاص الذين لجأوا إلى ذلك بشكل كبير في العقد الماضي - يقال إنهم لا يستطيعون الآن حتى تناول البطاطس، ولا يمكنهم تحمل تكلفة الغاز.
لم يكن لدى جونسون إجابات لهذه المشاكل، ولكن كلما فشلت سياسة ملموسة، كان بإمكانه دائما تشتيت الانتباه بحرب ثقافية، مستهدفاً أي شيء أو أي شخص - مثل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) الممولة من القطاع العام، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والأشخاص المتحولين واللاجئين.
بطريقة ما، بعد الدفاع عنه خلال كل ذلك، قرر المؤمنون في حزب المحافظين أن هذا يكفي الآن. وفي خطاب استقالته، انتقد جافيد - الذي رشح نفسه ليحل محل جونسون - «النبرة» التي أطلقها رئيس الوزراء في الأشهر الأخيرة، قائلاً إنه لم يعد بإمكانه البقاء في منصبه «بضمير حي». لكن «ضمير» جافيد لم يتحرك عندما بدأت الحكومة بترحيل طالبي اللجوء. وكتب ريشي سوناك، وزير الخزانة، يقول إنه كان دائماً «منقذاً» للسيد جونسون لكنه «توصل إلى استنتاج أنه لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو».
بالطبع، ظل ريشي سوناك - الذي أصبح الآن مرشحاً ليكون رئيس الوزراء القادم - «منقذاً» عندما تم تغريم جونسون لحضوره الحفلات أثناء الإغلاق، لأنه كان يحتفل أيضاً.
مع استمرار هذا التغيير المأساوي في الحرس، يتحمل البريطانيون أكبر ضغط على مستويات المعيشة في جيل واحد، والعائلات تكافح، والخدمات العامة ضعيفة.
يمكن للمرشحين أن يبتعدوا عن جونسون، لكن دعونا لا ننسى بالضبط كيف وصلنا إلى هذا الوضع ومن كان متواطئاً. في الأسابيع المقبلة، سيقدم بعض نفس الشخصيات الذين أمضوا شهوراً في تمكينه أنفسهم على أنهم «بداية جديدة». فهؤلاء الأشخاص، حتى الأسبوع الماضي، كانوا راضين عن انتخاب جونسون، والعواقب وخيمة الآن كما كانت متوقعة في ذلك الوقت.
* كاتبة رأي في صحيفة «الغارديان» البريطانية ومؤلفة «مشلولون: التقشف
وتشويه صورة المعاقين»
* بالاتفاق مع «بلومبرغ»
8:32 دقيقه
TT
سباق من أجل زعيم محافظ جديد... لكنها انطلاقة بطيئة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
