آرون تيمز
TT

ما الذي يحتاج إليه بلد لديه ثقافة سلاح قوية للتخلي عنها؟

في غضون ساعات من إطلاق النار على المدرسة في أوفالدي بتكساس الأميركية، الشهر الماضي، عندما عاد الرئيس بايدن من رحلة إلى آسيا، وجد نفسه يتساءل لماذا تمكنت ديمقراطيات ليبرالية مثل أستراليا وكندا وبريطانيا السيطرة على العنف المسلح، في الوقت الذي لا تزال الولايات المتحدة تحاول فيه إنجاز ذلك على امتداد عقود دونما نجاح! قال في خطاب وجهه للأمة في وقت لاحق من تلك الليلة «إنهم يعانون مشكلات نفسية، ولديهم خلافات داخلية، ولديهم أناس فُقدوا، لكن هذه الحوادث من إطلاق النار الجماعي لا تحدث أبداً مع هذا المعدل في التكرار الذي تشهده الولايات المتحدة ـ لماذا»؟
من السهل تخيل أن ذهنه كان عالقاً في أستراليا. وبعد قتال مرير مع مالكي الأسلحة في الريف ونشطاء محافظين، اتخذت أستراليا إجراءات شاملة لتقييد الوصول إلى الأسلحة في أعقاب حادث إطلاق النار عام 1996 الذي خلف 35 قتيلاً. كانت الإصلاحات شاملة حقاً من حيث نطاقها، وتضمنت فرض حظر على جميع البنادق الآلية وشبه الآلية، وشروط ترخيص صارمة، وفرض دورات السلامة الإجبارية لجميع مالكي الأسلحة، الذين أصبحوا ملزمين كذلك بتقديم سبب حقيقي لامتلاك سلاح ناري لا يمكن أن يتضمن الدفاع عن النفس. كما أعلنت الحكومة الفيدرالية عن عفو عن مالكي السلاح على نحو غير قانوني وإعادة الشراء الفيدرالية التي أدت إلى تسليم أكثر من 650 ألف قطعة سلاح إلى الشرطة وتدميرها.
وبالفعل، تراجعت حوادث إطلاق النار الجماعي والموت بالأسلحة النارية، بما في ذلك حالات الانتحار، بشكل ملحوظ على امتداد الأعوام الـ26 عاماً منذ أن عدّلت أستراليا قوانينها الخاصة بالأسلحة النارية. فيما يخص الرئيس بايدن، فإن هذه القصة قد أوجدت بصيصاً من الأمل، ومؤشراً على أنه في بعض الأحيان، يمكن للبلدان أن تتغير على نحو يقلل من عنف السلاح والمأساة. وإذا كان يمكن إنجاز ذلك في أستراليا، فلماذا لا يحدث داخل الولايات المتحدة؟
مثل الولايات المتحدة، كانت أستراليا مستعمرة استيطانية أوروبية، تأسست بدماء السكان الأصليين، ولديها أسطورة لعبت فيها البنادق والغزو دوراً ثقافياً تاريخياً مهماً. ومثل أميركا، تشكل أستراليا اليوم اتحاداً فيدرالياً متعدد الأعراق يقوم على الدولة، تتمتع فيه المناطق الريفية الصديقة للسلاح بنفوذ سياسي كبير.
إلا أن أوجه التشابه هذه تحكي جزءاً فقط من القصة. كان نجاح أستراليا في دفع إصلاح الأسلحة في أعقاب مذبحة بورت آرثر عام 1996 نتيجة للتوقيت والحظ وخصوصيات الدستور الأسترالي. فيما يتعلق بسياسة السلاح، فإن الاختلافات الجوهرية بين أستراليا وأميركا تفوق عدد أوجه التشابه. في الحقيقة، فإن الفحص الدقيق لنجاح أستراليا في إصلاح قانون حيازة الأسلحة يكشف عن الحجم الهائل للمهمة التي تنتظر الولايات المتحدة.
كانت المقاومة لإصلاح قانون حيازة الأسلحة في أستراليا شرسة خلال السنوات التي سبقت بورت آرثر. عام 1987، خلفت مجزرتان في ملبورن 15 قتيلاً ووضعت قضية السيطرة على الأسلحة بقوة على جدول الأعمال السياسي الوطني. إلا أن لوبي الأسلحة النارية والمشرعين داخل الولايات الصديقة للسلاح، مثل كوينزلاند وتسمانيا، عملوا على إحباط جهود الإصلاح الفيدرالية. كان جزء من المشكلة، ونقطة تشابه واضحة مع الوضع في الولايات المتحدة اليوم، أن الأسلحة كان يجري تنظيمها في الغالب من قبل الولايات؛ مما جعل مسألة الإصلاح تعتمد على التنسيق الوطني.
قبل أسابيع فقط من مذبحة بورت آرثر، أجريت انتخابات فيدرالية شهدت عودة المحافظين - تحالف بين الحزب الليبرالي اليميني وسط الضواحي والمدن في الغالب والحزب الوطني الريفي - إلى السلطة بعد 13 عاماً في المعارضة. لقد منح حجم انتصارهم الحكومة القادمة تفويضاً ساحقاً. وبالاستفادة من عمق الغضب في جميع أنحاء أستراليا عند المذبحة في بورت آرثر، تحرك رئيس الوزراء الجديد، جون هوارد، بسرعة لدفع إصلاحات منسقة عبر جميع الولايات، والتي توقفت في أعقاب عمليات إطلاق النار السابقة.
وبطبيعة الأمر، لم يأخذ لوبي السلاح الأسترالي هذه التغييرات ببساطة، فقد احتج أصحاب الأسلحة بالآلاف على الإصلاح. وجرى حرق دُمى تحمل صورة زعيم الحزب الوطني، تيم فيشر، في العديد من المظاهرات الريفية. إلا أنه مثلما كان الحال في الولايات المتحدة، كانت التسعينات في أستراليا فترة أكثر براءة من الناحية السياسية، تتسم بقدر أقل من الاستقطاب، مع وجود قدر أكبر من الاتفاق بين الحزبين الرئيسيين حول القضايا الأساسية المرتبطة بالعدالة والإنصاف، في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام أقل سمية عن البيئة التي أصبحنا معتادين عليها.
ومع ذلك، تطلب الأمر قدراً كبيراً من الشجاعة من جانب القادة المحافظين كي يقفوا في وجه ناخبيهم ويعلنوا دعوتهم إلى التغيير. وواجه فيشر، على وجه الخصوص، معارضة مخيفة داخل حزبه لدعمه إصلاحات هوارد، وقد خلقت هذه الانقسامات ضرراً حقيقياً ودائماً؛ ما أدى إلى تسميم الخطاب السياسي في البلاد على نحو دائم، لكن الإصلاح كان لا يزال ممكناً.
بالإضافة إلى ذلك، لم تواجه أستراليا أياً من العقبات الهيكلية أو الدستورية التي تقف في طريق إصلاح السلاح هنا في الولايات المتحدة. ليس لدى أستراليا أي شيء يشبه التعديل الثاني، وليس لديها أي تعطيل أو وثيقة حقوق أو حق مكفول دستورياً في حمل السلاح. يقنن الدستور الأسترالي صراحة حفنة من الحقوق الأخرى مثل الحق في محاكمة عادلة وحرية المعتقد، لكن الوثيقة التأسيسية للبلاد ليس لديها ما تقوله فيما يتعلق بالبنادق؛ الأمر الذي يجعل النقاش حول الحقوق والحريات الفردية في أستراليا مختلفاً تماماً عن النقاش في الولايات المتحدة.
وعليه، فإن التجربة الأسترالية في السيطرة على الأسلحة تستعصي على التطبيق السهل على الولايات المتحدة، لكن إذا كان لأستراليا أن تكون بمثابة أي نوع من الأمثلة، فإن ذلك لما تنطوي عليه من شجاعة ومن أجل المبادئ التي أظهرها القادة المحافظون والريفيون؛ الأمر الذي غالباً ما كبّدهم تكلفة سياسية كبيرة في مواجهة ناخبيهم المحبين للسلاح. وقد يكون العثور على شخصية من هذا النوع من صفوف الحزب الجمهوري اليوم أصعب بكثير مما كان عليه الحال مع المحافظين في أستراليا في التسعينات.