كيسنجر... طبعة واحدة

كيسنجر... طبعة واحدة

الأربعاء - 9 ذو القعدة 1443 هـ - 08 يونيو 2022 مـ رقم العدد [15898]
جمال الكشكي
كاتب مصري

فرض نفسه على التاريخ، ولم تتخلَّ الجغرافيا عن بصماته، صار المنظر الجيوسياسي، في يوم مايو (أيار) المقبل سيحتفل بقرن من الشموع، في اختفائه ترقب، وفي حضوره جدل. صاخب في هدوئه، وهادئ في صخبه، لم يستطع جاك دورسي، أو مارك زوكربيرغ قطع الطريق عليه، أو تهميش انتشاره، هو ابن أيامه وتجربته.
أتحدث عن هنري كيسنجر (27 مايو 1923) آخر عناقيد نيكسون، أدرك مبكراً أن الدبلوماسية فن تقييد القوة. استطاع أن يجعل من نفسه سلعة مطلوبة في الظروف الصعبة، الناجي من محرقة ألمانيا.
سياسي ودبلوماسي وخبير استشاري، شغل منصب وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، ومستشار أمنها القومي. يجيد مهارة الحضور وسط الدخان الكثيف.
الأيام الماضية كان حديث العالم. واصل دوره ومهامه التاريخية في طرح الأفكار الصادمة لحل الأزمات، الوسيط الأميركي السوفياتي، لم يشأ مغادرة التاريخ من دون أن يكتب رؤيته للخروج من الأزمة الروسية - الأوكرانية، قال: (إن أوكرانيا يجب أن تتخلى عن جزء من أراضيها، للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا ينهي حرب الأشهر الثلاثة، محذراً من أن الفشل في إحياء المفاوضات مع موسكو، والاستمرار في استعدائها ستكون له عواقب وخيمة على أوروبا على المدى الطويل. أمام منتدى الاقتصاد العالمي في «دافوس»، الاثنين 23 مايو الماضي، دعا إلى ضرورة أن يبدأ الجانبان «مفاوضات في الشهرين المقبلين قبل أن تحدث اضطرابات وتوترات لن يتم التغلب عليها بسهولة، وأن تكون أوكرانيا «دولة محايدة، لا جزءاً متكاملاً من أوروبا».
رائد مدرسة الواقعية السياسية، يعتقد بضرورة عودة الأمور إلى سابق عهدها، محذراً من أن «مواصلة الحرب فيما بعد تلك المرحلة، لن تكون متمحورة حول حرية أوكرانيا»، وإنما ستفتح الباب لـ«حرب جديدة ضد روسيا نفسها».
كعادته في التفاوض أخرج كيسنجر ورقة من سجلات التاريخ، تتعلق بأن روسيا كانت جزءاً أساسياً من أوروبا منذ 400 عام، وأسهمت في توازن القوى خلال الأوقات الحرجة التي مرت بها القارة، ولذلك، فإنه يتوجب على الدول الغربية «تذكر أهمية روسيا، وعدم الانغماس في مزاج اللحظة». الطفل الذي غادر مبكراً، عاد مقاتلاً على ذمة الجيش الأميركي، نفذ التعليمات حرفياً دون أن يضعف أمام مسقط رأسه ألمانيا. ابن سنوات الغليان كان فاعلاً في أخطر مراحل التحول العالمي.
هنا على شاطئ فيتنام، لا تزال الأمواج السياسية تشهد على دوره في المفاوضات (1969 - 1973) التي أنهت الحرب الأميركية الفيتنامية، هذا الدور الذي لعبه كيسنجر في ذاك الوقت قاده إلى مربع الثقة لدى ساكن البيت الأبيض، فالولايات المتحدة كانت في أمسِّ الحاجة لمن يفتح لها ممراً آمناً يحفظ ماء وجهها، ويحافظ على مكانتها كقطب عالمي، يبارز العقيدة الحمراء للاتحاد السوفياتي السابق، كيسنجر نجح في هذه المهمة بطريقة أدهشت جميع الأطراف، ازداد وزنه النسبي في القدرة على تحقيق السلام، ورصف الطرق الدبلوماسية والسياسية بين الدول كبديل عن لغة البندقية والرصاص.
ذاع صيته، وبات مفاوضاً ماهراً من العيار الثقيل، تمسكت به الإدارة الأميركية على اختلاف توجهاتها الجمهورية والديمقراطية، كانت مهمته مد الجسور المقطوعة بين واشنطن، وباقي عواصم العالم، إلى الكتلة الشرقية ذهب كيسنجر متسللاً بدهاء، وسياسة ودبلوماسية وعلوم هارفارد، كان متسلحاً بالأمل في أن يعود موفقاً من هذه المهمة...
في عقر دار عملاقي الشيوعية تحدث عن نيكسون بجرأة، لم ترهبه نظرات الدب الروسي، أو التنين الصيني، فتح حقيبة أوراقه، وأفرد خرائط مستقبل النظام العالمي.
نجح في إقناع القادة الروس والصينيين بضرورة دفء علاقتهم مع الولايات المتحدة، واصل تحريك بيادق الشطرنج، فاستطاع تحقيق الأهداف الأميركية من دون إطلاق رصاصة واحدة من الجيش الأميركي. الرجل الداهية وضع منهجاً ونظرية للتعامل مع بكين، وموسكو، فمع الصين اتبع أسلوب المحاصرة والتضييق وتأزيم محيطها الجيوسياسي وخلق خلافات وعداءات لها مع الجيران، من دون الانصياع أو التلميح عن أي مواجهات مباشرة، هذا الخيار «الكيسنجري» لا يزال معتمداً داخل مختبرات واشنطن، وأن الرئيس الأميركي جو بايدين لا يزال يعتمد المنهج نفسه الذي يتفادى الصدام المباشر مع الصين.
في موسكو ما أشبه الليلة بالبارحة! سيد اللعبة يعود مجدداً إلى المسرح، يؤمن بأن روسيا أوروبية بامتياز، وأن الصورة الكاملة بعين بعيدة تتطلب الحفاظ على مصالح الجميع، ومن ثم، فإن كيسنجر عاد يدق أجراس الخطر أمام دعاة عزل روسيا بالكامل عن النظام الدولي، أو التفاعل الأوروبي، صاحب مدرسة الخطوة بخطوة، والأيادي الممدودة بالسلام، يقرأ ما خلف أسوار الكرملين، ويعرف جيداً ثمن وفواتير القفز من فوق الأسوار من دون دراسة أو قراءة واقعية لدولة، تمتلك أكبر حصة في النادي النووي بأضلاعه الثلاثة، البرية والجوية والبحرية، ومن ثم فإنه يقرأ مخاطر المستقبل، ويعمل على تفاديها، قرأ مخاطر الأزمة الروسية والأوكرانية، استجمع خبراته على مدار ما يزيد على نصف قرن من التنظير، وصناعة القرار ووضع الحلول، فخرج إلى العالم بوصفة الساحر الدبلوماسي.
أثار الدهشة مرتين، الأولى لأنه لا يزال محافظاً على لياقته الذهنية والبدنية والفكرية في عوالم التنظير. أما الدهشة الثانية فهي في قدرته على ملء الفراغ الفكري والسياسي لدى الرأي العام العالمي بشأن الأزمة الروسية الأوكرانية، في حين أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ اندلاع الحرب (24 فبراير (شباط)) لم يطل علينا أحد من منظري ومفكري العالم بوصفة جريئة، تتعلق بمصير نظام عالمي يتبلور من جديد، فعلها كيسنجر، وبغض النظر عن حساباته، فإنه ألقى بحجر كبير في مياه التاريخ والمستقبل، وبات يشغل محركات البحث العالمية حتى كتابة هذه السطور، رائد مدرسة التنبؤ السياسي يؤمن بنظرية السلام الحذر.
محطاته على مدار نحو قرن مضى تؤكد أنه عقل استثنائي، يجيد السباحة وسط الأمواج العاتية، والتفاوض في أشد لحظات التعقيد، له كاريزما عابرة للحدود، والأزمنة، يمتلك مفاتيح تبريد الصراعات، تجول عبر المستقبل فسجل التاريخ أدواره في الماضي والحاضر.
كيسنجر القادم من أعماق عصر مختلف يمثل طبعة وحيدة، بل خاصة، لا بد لنا أن نتوقف أمامها ونقرأ أبعادها الأربعة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو