أسدل الستار على أحد أزحم مواسم العمرة، وذلك في شهر رمضان المبارك. شخصياً ما رأيته بالطواف والسعي كان أشبه بموسم الحج. لا يهمني الأسباب فهي معروفة، منها شوق الناس بعد تداعيات «كورونا». ما يهمني هو كيف نجحت السعودية في إدارة الحشود. فأعداد ما تستقبله من حجاج سنوياً يفوق ما تستقبله كل بلدان العالم التي استضافت مونديال كأس العالم، ناهيك عن أنها لا تستقبل حجاجاً من أكثر البلدان تطوراً واعتياداً على النظام؛ بل يأتي معظمهم من العالم النامي. ومع ذلك تسطر لنا في كل المواسم مقدرة هائلة على التنظيم وتقليل مخاطر الإصابات. فهي استفادت مما حدث في نفق المعيصم، علاوة على عشرات حالات التدافع، بوضع سياسات جديدة. فالتصرفات التي تبدو تافهة، كالتقاط شيء من الأرض، قد تؤدي إلى فاجعة موت أفواج هائلة من الناس. ولذلك أتذكر كيف كان المنظمون يناشدون الحشود عند رمي الجمرات (قبل بناء الجسور) عدم التوقف أو التقاط أي شيء من تحت أرجلهم، حتى لا يتحولوا إلى حجرة عثرة في طريق من خلفهم.
وقد سجل عديد من المسارح المفتوحة والفعاليات العالمية موتاً محتوماً بسبب قوة الدفع البشرية التي يمكن أن تدفع مجتمعة عشرات الأطنان.
إن «إدارة الحشود» (crowd management) يكاد يكون «علماً»، فهو يقدم مقاييس وإجراءات تساعد على حسن قيادة الحشود، والتقليل من سلوكياتهم التي قد تضر بالآخرين. فهو يولي اعتباراً كبيراً ومتابعة دقيقة للسعة المكانية، ومقارنتها بأعداد الناس المسموح بها، ويتدخل المنظمون بسرعة البرق فور ما يلاحظون انسداداً للممرات أو مخارج الطوارئ.
في الكويت –مثلاً- انهار حاجز زجاجي لاستاد جابر الأحمد في دورة الخليج في حادثة مأساوية غفل عنها المنظمون للحظة، فسقط الجمهور دفعة واحدة على أرض الملعب. ولذلك تجد ملاعب الكرة الحديثة مصممة بأسوار متينة، ويسحب كل مخرج أفواجاً كبيرة من الناس إلى أبعد نقطة ممكنة عن الملعب، ليجد الجميع أنفسهم في الشارع بكل انسيابية. والأمر نفسه ينسحب على مخارج الطوارئ في المباني والأسواق والمرافق العامة والطائرات والسفن العملاقة.
وتطورت إدارة الحشود، فبإمكانها الاستفادة من أطنان المعلومات الرقمية، فضلاً على الذكاء الصناعي الذي يمكنه التنبؤ باحتمالات وقوع كوارث أو تدافع، فيعطينا إشارة استباقية لم تكن موجودة في سالف الأزمان.
من أبجديات إدارة الحشود، فهم طبيعة الجمهور بعمل «profile» لهم حتى يمكن التعرف على كيفية التعامل معهم. فجمهور المثقفين أو رؤساء الدول يختلف عن خليط عشوائي ممن أتوا لأخذ وجبة إفطار تسد جوعهم ورمقهم.
وهناك أمور تجب مراعاتها، وهي مواقع الخطر أو أوهن نقطة في الموقع. مثلما حدث مع الرئيس الأميركي رونالد ريغان، عندما تعرض لمحاولة اغتيال بإطلاق وابل من الرصاص عليه (من زاوية مكشوفة) وهو يهم بالخروج من فندق «هيلتون»، فنجح الحرس الخاص في بناء حائط صد بشري، حتى تم إنزال رأسه بسرعة ودفعه إلى داخل سيارته المصفحة. وتعلموا من ورطة محاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد عام 1975، بأن باب السيارة يجب أن يكون مفتوحاً لحظة خروج الرئيس كبروتوكول مكتوب.
ولذلك لا يمكن إدارة حشود أو اختراقها من دون خطة طوارئ معروفة لدى المنظمين، كالهجوم على فنانين في خشبة المسرح، أو اللاعبين في أرضية الملعب. ولهذا يجب أن يتم إطلاع المنظمين دائماً على تفاصيل العرض، وتوقيت بدء وانتهاء كل فقرة، حتى يمكن التمييز بين حالة الطوارئ وبين المشهد التمثيلي أو المتوقع.
في أحد مسارح الكويت نشب حريق لم نشعر به إطلاقاً إلا عندما أسدل الستار فجأة، ثم ظهر منه مؤلف ومنتج المسرحية وقال بصوت هادئ ما معناه: «يؤسفني أن أخبركم بأن هناك حريقاً بسيطاً في الكافتيريا، وعليه أطلب من الجميع المغادرة بهدوء من مخارج الطوارئ، وسوف نعقد حفلة خاصة أو نعوضكم مادياً»، ثم اكتشفنا لاحقاً أن الحريق كان كبيراً؛ لكنهم نجحوا في إفراغ القاعة بأقل الخسائر.
وهناك معايير معينة لإدارة الحشود، فجامعة كورنيل العريقة ترى أنه من الضروري تعيين «مدير حشود» لكل 250 شخصاً يحضر الفعالية، ويدير كل هؤلاء مدير حشود رئيسي يأتمرون بأمره، علاوة على منسقين آخرين كل في مجاله، للسيطرة على الفعالية.
وهناك تفاصيل دقيقة يجب أن تكون معلومة لدى أكثر من شخص، مثل كيفية إعادة الأضواء أو الكهرباء المقطوعة بعد الدخول في ظلام دامس؛ لأن في دقائق الظلام الطويلة قد يدب الهلع بين صفوف الجمهور، ويحدث ما لا يحمد عقباه.
إدارة الحشود مسألة في غاية الخطورة والأهمية؛ لأنها متعلقة بحفظ أرواح البشر؛ فضلاً على إدارة السمعة ومؤشر التحضر. ومع تنامي الأنشطة الجماهيرية في منطقتنا العربية، أصبحت عملية تعزيز هذه المعايير والخبرات المتراكمة المشرفة لكوادرنا أمراً في غاية الأهمية.
10:45 دقيقه
TT
إدارة الحشود
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
