اللقاء التشاوري اليمني تحت مظلة مجلس التعاون

اللقاء التشاوري اليمني تحت مظلة مجلس التعاون

الأربعاء - 26 شعبان 1443 هـ - 30 مارس 2022 مـ رقم العدد [15828]
د. عبد العزيز حمد العويشق
الأمين العام المساعد للشؤون السياسية وشؤون المفاوضات في مجلس التعاون الخليجي.

يستضيف مجلس التعاون الخليجي هذه الأيام اللقاء التشاوري اليمني الذي يمكن أن يكون نقطة تحول مهمة في الطريق إلى السلام، إذا أراد المشاركون فيه ذلك، وانخرطوا في الحوار بعزيمة صادقة ومخلصة لمصلحة اليمن، فوق الاعتبارات الشخصية والحزبية والقبلية.
وقد دعا مجلس التعاون لهذا اللقاء بضع مئات من الرسميين والبرلمانيين وممثلي الأطياف السياسية المختلفة، بما في ذلك جماعة الحوثيين وأنصارهم، والمستقلون والخبراء الاقتصاديون والقانونيون والإعلاميون، وقادة الفكر والمجتمع اليمني.
هذه ليست مفاوضات رسمية، فتلك تتولاها الأمم المتحدة حالياً؛ بل يهدف اللقاء إلى توفير الأجواء المناسبة لحوار يمني- يمني بَنّاء، لمناقشة الوضع الراهن في اليمن، وسبل إعادة اليمن من وضع الحرب والدمار الذي يعيش فيه إلى حالة السلم والبناء، وبعبارة أخرى: وضع خريطة طريق للانتقال من وضع الحرب والفوضى إلى وضع السلام.
فالهدف الرئيس هو مساعدة المشاركين في اللقاء على إجراء مقاربة مشتركة للأوضاع الراهنة في اليمن، على عدة محاور؛ سياسية، وأمنية، واقتصادية، وإنسانية، واجتماعية، وإعلامية، تليها مناقشة واقعية للتحديات التي تواجه اليمن في كل محور، ثم تلمس الحلول ووضع الآليات اللازمة لتحقيق ذلك الانتقال من هاوية الحرب والدمار إلى حالة من السلام تُتيح الفرصة لاستعادة فاعلية مؤسسات الدولة، وتقديم الخدمات الأساسية، وتوفير المناخ الملائم لإعادة الإعمار، بعد توافق الأشقاء اليمنيين على مستقبل بلادهم، واستعادة دورها التاريخي والحضاري.
دور مجلس التعاون في هذه المشاورات هو تيسيرها، وتقديم المشورة متى ما طُلب منه ذلك. ولهذا الغرض دُعي عدد من الخبراء والمختصين من الجامعات ومراكز البحوث في دول المجلس، للمساهمة في التوفيق بين وجهات نظر المشاركين اليمنيين الذين ينتمون لكافة الأطياف السياسية والاجتماعية.
وقد طالب الأشقاء اليمنيون وغيرهم مجلس التعاون مراراً بعقد مثل هذه المشاورات، نظراً إلى الشراكة الوثيقة التي تربط الجانبين، ودور المجلس في الحوارات السابقة، بما في ذلك الحوار الوطني الشامل الذي استمر لمدة عشرة أشهر، بين مارس (آذار) 2013 ويناير (كانون الثاني) 2014 في صنعاء.
هناك تشابه محدود بين مشاورات الرياض الحالية والحوار الوطني، في أن كليهما شامل لكافة الأطياف اليمنية، وكونهما مشاورات يمنية - يمنية بالدرجة الأولى. ولكن آلية الحوار والغرض منها مختلفان.
الفرق الرئيس بين مشاورات الرياض والحوار الوطني السابق هو حالة الحرب المدمرة في اليمن التي أدت إلى اختلال الموازين، بما حال دون تنفيذ مخرجات الحوار الوطني السابق، وتحقيق تطلعات المواطن اليمني. ولهذا فإن تركيز مشاورات الرياض سيكون على كيفية إيقاف نزيف الحرب والتمزق، وإقناع كافة الأطراف بتغليب مصلحة اليمن، والتوافق على إنهاء الحرب والعودة باليمن إلى بر السلام.
والفرق الآخر بينهما هو الأوضاع الإنسانية السيئة، والشلل الاقتصادي، وتدهور شبكة الحماية الاجتماعية التي كانت موجودة، ولو بشكل محدود، قبل الحرب التي بدأت في عام 2014، بعد أشهر معدودة من اختتام مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء.
ومع هذه الفروق، من المتوقع أن تكون مخرجات مشاورات الرياض متسقة وداعمة لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
في الحقيقة، مع كثرة الفعاليات التي عُقدت خلال السنوات الخمس الماضية، ونظمتها المؤسسات اليمنية المختلفة والأمم المتحدة والدول العربية والغربية ومجلس التعاون، لم تُعقد مشاورات على هذا النحو من حيث سعة نطاقها وشموليتها لكافة الأطياف السياسية والاجتماعية اليمنية، وتطرقها لكافة المواضيع التي تشغل المواطن اليمني. هذه الحقيقة وحدها تجعل مشاورات الرياض في غاية الأهمية، ولكن ثمة - أيضاً - حالة طوارئ تتطلب سرعة التدخل، بسبب تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية للمواطن اليمني، واستمرار الحرب منذ نحو 8 سنوات.
وعلى الرغم من التصعيد خلال الأسابيع الماضية في هجمات الحوثيين على الأهداف المدنية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تمت دعوتهم لمشاورات الرياض، إيماناً من دول مجلس التعاون بالحاجة إلى إنهاء حالة الحرب، وتهيئة الأجواء المناسبة لاستئناف المفاوضات.
حقائق التاريخ والجغرافيا والنسب والقربى أملت على عرب الجزيرة أن يكونوا شركاء على مدى التاريخ، فاليمن أصل العرب. وعلى الرغم من التباين في بعض التوجهات السياسية بين فترة وأخرى في العصر الحديث، استمر الامتزاج الثقافي والتجاري والاجتماعي بينهم على المستويات الرسمية والشعبية.
ومن الناحية الاستراتيجية يواجه اليمن ومجلس التعاون تحديات متشابهة سياسياً وأمنياً واقتصادياً. فمصلحتهما المشتركة تتطلب الانخراط في مشروع تكاملي مشترك في تلك المجالات.
ولهذا كان طبيعياً أن يسعى مجلس التعاون واليمن إلى تأسيس شراكة استراتيجية خاصة، بدأت أولى لبناتها الرسمية منذ عشرين عاماً، حين أقر المجلس الأعلى في ديسمبر (كانون الأول) 2001 انضمام اليمن إلى عدة منظمات خليجية متخصصة. وفي عام 2002 تم توقيع «اتفاق صنعاء» بهدف مواءمة القوانين الاقتصادية في اليمن مع نظيراتها الخليجية، وهو مشروع مستمر.
وفي عام 2006، تبنى مجلس التعاون خطة لمدة عشرين عاماً، على مرحلتين، لتأهيل الاقتصاد اليمني وتسهيل اندماجه في النسيج الخليجي. وخلال الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 إلى سبتمبر (أيلول) 2012، أعد المجلس، بالتنسيق مع اليمن والمنظمات الدولية، ثلاثة مؤتمرات دولية نتج عنها حشد نحو 15 مليار دولار لدعم البرامج التنموية في اليمن، 70 في المائة منها من دول المجلس والصناديق الإقليمية.
ومن خلال المبادرة الخليجية في عام 2011، عمل مجلس التعاون مع الأطراف اليمنية لإقناع الرئيس السابق علي عبد الله صالح بالاستقالة؛ حقناً للدماء، ومن ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، وتنظيم انتخابات رئاسية، تلاها مؤتمر الحوار الوطني الشامل الذي دعمه مجلس التعاون أيضاً، إلا أن الانقلاب الحوثي على الحكومة في سبتمبر 2014 أوقف مسيرة المصالحة، وأدخل اليمن في دوامة من الحرب والدمار لم تخرج منها حتى الآن.
خلال العقود الماضية، كان مجلس التعاون هو الشريك الاقتصادي الأول لليمن، ومصدر نحو 80 في المائة من الاستثمار المباشر. ولا شك في أن التكامل بين اليمن والخليج أمر حتمي، سيتم استكمال خطواته حالما يصل اليمنيون إلى الحل السياسي المنشود.
ولهذا فإن المشاورات اليمنية التي يستضيفها مجلس التعاون تسعى إلى توظيف هذه الشراكة، لتسهيل وصول الأشقاء إلى آليات تساعد على الخروج من مأزق الحرب والتدمير، أولاً بتوفير المساحة المناسبة والآمنة لمداولاتهم بحرية، وثانياً بدعم التوافق الذي تتوصل إليه المشاورات.
وحسب مخرجات هذا اللقاء اليمني، سيكون مجلس التعاون مستعداً لتسهيل الجهود المستقبلية لتنفيذ هذه المخرجات ودعم استدامتها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو