حرب أوكرانيا: قرب النهاية أم تصعيد جديد؟

حرب أوكرانيا: قرب النهاية أم تصعيد جديد؟

الأحد - 16 شعبان 1443 هـ - 20 مارس 2022 مـ رقم العدد [15818]

دخلت الحرب في أوكرانيا أسبوعها الرابع. يستمر الدمار واستهداف البنية التحتية والمباني المدنية. تتزايد الإصابات بين المدنيين، مع فرار نحو 3 ملايين أوكراني من بلادهم.
وتصر روسيا على عدم استهداف المدنيين، وأن كل شيء يسير وفقاً للخطة. وليس هذا الواقع. فقد تمكن الجيش الروسي من التقدم على عدة جبهات، لكنه يواجه مقاومة شرسة. وتعاني روسيا من خسائر وتتكبد إصابات فادحة. ويقال أنها فقدت حوالي 30 في المائة من قدرتها العسكرية (البشرية والآلية) المشاركة. ويقال أيضاً أن الخسائر الروسية في الأرواح تتراوح ما بين 300 قتيل و500 يومياً.
ومن شأن العدد المتزايد من التوابيت، التي تحمل جثث المجندين الروس إلى الوطن، أن تزيد من حدة المعارضة الداخلية وقوتها.
في حالة الحرب الطويلة، لا سيما في حالة حرب المدن، تكون التكاليف أعلى بكثير. شيشانيو قاديروف، ومرتزقة وكالة «فاغنر»، والسوريون المقاتلون، ليسوا هناك من دون سبب واضح. لقد أخطأت روسيا في حساباتها وهي معزولة:
- أساءت تقدير الإصرار وروح القتال لدى الأوكرانيين.
- أساءت تقدير زيلينسكي الذي ألهم أداؤه القيادي الشعب الأوكراني خلال الحرب.
- أساءت تقدير الغرب الموحد في مواجهة العدوان الروسي، على عكس موقفه من غزو جورجيا والقرم، ثم سوريا.
لم يعد لدى روسيا سوى عدد قليل للغاية من الأصدقاء. كان التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من مارس (آذار) واضحاً للغاية بشأن المشاعر المعادية لروسيا.
وأود أن أشدد في هذه المرحلة على العجز المحزن للأمم المتحدة، إذ كان الغرض الرئيسي منها، على النحو المنصوص عليه في المادة 1، هو «صون السلم والأمن الدوليين، واتخاذ تدابير جماعية فعالة لمنع وإزالة التهديدات التي يتعرض لها السلام».
لقد أصبح هيكل مجلس الأمن العقبة الرئيسية أمام المنظمة في جهودها لمباشرة عملها. وتشكل الحرب في أوكرانيا دليلاً واضحاً آخر على الحاجة إلى إصلاح الأمم المتحدة، خصوصاً مجلس الأمن.
في المجال الاقتصادي، رغم أن روسيا هي من أكبر الدول المنتجة للغاز الطبيعي والنفط، ولديها احتياطيات في المصرف المركزي تبلغ 643 مليار دولار، إلا أن العقوبات تضرها. وهذه ليست سوى البداية. فقد شن بوتين هجوماً عنيفاً على النخبة من أعضاء حكومته، الذين كان لهم دور واضح في إثبات أن العقوبات المفروضة تؤدي الغرض منها.
لقد جازف بوتين على نحو خطير للغاية. وقد تكون سمعته وقيادته ومستقبله السياسي على المحك. والفشل الواضح للحملة في أوكرانيا من شأنه أن يعزز المعارضة وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى سقوطه. وبالتالي، فإن بوتين لا يستطيع أن يعود صفر اليدين.
موقف «الناتو»: كان للغزو الروسي تأثير موحد على حلف «الناتو». والآن أصبح الحلفاء أقرب إلى بعضهم البعض وبروح صداقة متجددة ومعززة.
وقد أوضح حلف «الناتو» (والدولة الرائدة، الولايات المتحدة) منذ البداية أنه لن يرسل قوات إلى أوكرانيا، ولن يغلق المجال الجوي كما طلب الرئيس الأوكراني، لأن خطوات كهذه ستؤدي إلى مواجهة مباشرة مع روسيا واندلاع الحرب.
كما أوضح «الناتو» تماماً أن أي ضرر يلحق بأحد الحلفاء سيؤدي إلى تفعيل المادة 5 (الدفاع الجماعي)، وأنه لن يتردد في التصرف.
من ناحية أخرى، فإن الدول الأعضاء في الحلف لديها مطلق الحرية في إمداد أوكرانيا بالأسلحة لأغراض الدفاع عن النفس. وقد خصصت الولايات المتحدة ملايين الدولارات لهذا الغرض، ووقع الرئيس بايدن قبل أيام على قانون إضافي بقيمة 200 مليون دولار للمعدات العسكرية.
في اليوم نفسه، عقد وزراء دفاع الحلف اجتماعاً استثنائياً في مقر الحلف ببروكسل. وشاركت في الاجتماع فنلندا والسويد وجورجيا والاتحاد الأوروبي. وأطلعهم وزير الدفاع الأوكراني على آخر التطورات.
والآن أصبحت فنلندا والسويد، اللتان كانت لهما شراكة تعاون نشطة ومتقدمة، أكثر تقارباً مع «الناتو». وفي فنلندا، خلصت دراسة استقصائية إلى أن 62 في المائة يؤيدون التقدم بطلب الانضمام إلى الحلف. وفي ظل هذه الأوقات غير العادية، أصبح «الناتو» والاتحاد الأوروبي أكثر تقارباً من الناحية المؤسساتية.
وسيجتمع زعماء «الناتو» في جلسة استثنائية، الأسبوع المقبل، في بروكسل. ويمكن أن نتوقع خروج رسائل واضحة من العزم والتصميم، وفي حالة اتفاق محتمل لوقف إطلاق النار، وربما أكثر من ذلك.
بُذلت جهود دبلوماسية من فرنسا وإسرائيل وتركيا ودول أخرى. اجتمع وزيرا خارجية روسيا وأوكرانيا للمرة الأولى منذ بدء الحرب، في الواقع للمرة الأولى منذ سنوات، على هامش «منتدى أنطاليا الأمني» يوم 10 مارس. وبعدها توجه وزير الخارجية التركي إلى موسكو، ثم إلى مدينة لفيف في أوكرانيا، واجتمع مع نظرائه. وبقدر ما يُكشف للجمهور، يمكن تلخيص نتائج هذه الاجتماعات بالرسائل بدلاً من التقدم الملموس.
في الوقت نفسه، اجتمع وفدا روسيا وأوكرانيا للمرة الرابعة. ولديهم مشروع ورقة ويناقشون على أساس ملموس. وهناك حديث عن خطة من 15 نقطة. وتؤكد روسيا ذلك، بينما تقول أوكرانيا إن هذه ليست سوى مطالب روسية في هذه المرحلة. على أي حال، هناك شيء ويجب ألا يمر وقت طويل قبل أن نعرف المزيد.
تحدث الرئيس بوتين، مؤخراً، هاتفياً مع رئيس تركيا رجب طيب إردوغان. ووفقاً لما قاله مستشار الرئيس التركي للصحافة بعد محادثتهما، فقد قال بوتين:
- يجب أن تكون أوكرانيا محايدة ويجب إسقاط عضوية «الناتو».
- يجب أن تخضع أوكرانيا لعملية نزع السلاح.
- يجب نزع النازية الجديدة من أوكرانيا، وحماية اللغة الروسية.
- البت في المسائل المتعلقة (بوضع) إقليم دونباس ومنطقة القرم.
والواقع، أنه لا مفاجآت فيما طرحه بوتين. هذه قضايا واضحة ينبغي أن يشملها أي اتفاق لوقف إطلاق النار/ السلام.
وأود أن أبدي التعليقات التالية:
- انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية المحتلة ضروري، لكن تحديد الأقاليم يمكن أن يكون موضع نقاش.
- انضمام جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك المستقلتين إلى روسيا في مرحلة لاحقة أمر محتمل ولكنه غير مرجح. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن يظل إقليم دونباس ككل جزءاً من أوكرانيا لكن مع وضع متقدم للحكم الذاتي، مقترناً بالحقوق المضمونة للأقلية الروسية هناك وفي أماكن أخرى.
- في حالة شبه جزيرة القرم، يبدو إلغاء الضم الروسي بعيداً للغاية، إن لم يكن مستحيلاً.
- مطالب روسيا بتشكيل حكومة صديقة لروسيا ونزع السلاح من أوكرانيا ليست خطيرة ولو من بعيد على ما أعتقد.
- مطلب روسيا بضمانات أمنية (عدم منح أوكرانيا عضوية الناتو، عدم نشر قوات «الناتو» وأسلحته على أراضيها، والحياد وعدم الانحياز) قد يكون أسهل في الاتفاق مقارنة بغيره من المسائل.
والتحول لما هو أبعد من التعاون الثنائي:
- يجب أن يكون هناك هيكل أمني أوروبي محدث للتخفيف من المخاوف الأمنية المزعومة. وقد تكون وثيقة فيينا بشأن تدابير بناء الثقة والأمن، وتدابير نزع السلاح وتحديد الأسلحة، والآليات على غرار السماء المفتوحة، هي الحل.
وختاماً؛ أظهر المجتمع الدولي هذه المرة أن العدوان لن يمر مرور الكرام. من الواضح أن أوكرانيا هي الضحية وروسيا هي المعتدي.
قد يكون هدف بوتين جعل روسيا عظيمة مرة أخرى، إلا أنه في الواقع يجعل روسيا ونفسه أضعف وعُرضة للمخاطر.
هناك بعض الأمل في اتخاذ خطوات تهدف إلى إنهاء الحرب. ومن أجل تحقيق النجاح، فلا بد أن يكون الجانبان قادرين على الحصول على شيء يمكن تقديمه باعتباره نصراً أو إنجازاً. وفي هذا السياق، تصبح الحاجة ماسة إلى الزعامة السياسية والقرارات الصعبة والدبلوماسية الإبداعية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو