كييف... حياة ثقافية غنية تعكس تاريخها العريق وتنوعها العرقي

واحدة من أهم حواضر أوروبا الشرقية كلها

المتحف الوطني للفنون في كييف
المتحف الوطني للفنون في كييف
TT

كييف... حياة ثقافية غنية تعكس تاريخها العريق وتنوعها العرقي

المتحف الوطني للفنون في كييف
المتحف الوطني للفنون في كييف

فيما تستمر القوات الروسية بزحفها داخل الأراضي الأوكرانية، فإن المعركة الفاصلة التي تقترب يوماً بيوم ستكون حتماً حول العاصمة كييف التي تتحصن فيها قوة كبيرة من الجيش الأوكراني، إضافة إلى الآلاف من سكانها المسلحين، فيما يراكم الجيش الروسي الاستعدادات لحصارها واقتحامها بوصفها قلب النظام الأوكراني الحالي ومقر مؤسساته الأساسية. وسيكون من المؤسف حقاً أن تتعرض هذه المدينة ذات التاريخ العريق إلى تدمير ممنهج إن لم تنجح المفاوضات الحالية والوساطات في تجنب الأسوأ، سواء لأمن ورفاه السكان المحليين (حوالي ثلاثة ملايين نسمة)، أو لمعالمها العمرانية العريقة وأحيائها الأنيقة.
ازدهرت كييف منذ نيل أوكرانيا استقلالها إثر تفكك الاتحاد السوفياتي السابق (1991) بحكم كونها الأكثر سكاناً في إقليمها، وإحدى أكثر حواضر أوروبا الشرقية أهمية في مجالات الصناعة، والتجارة، والتعليم، والثقافة، وتعافت من مرحلة إعادة التكيف للانخراط في المنظومة الرأسمالية العالمية خلال أقل من عقد. لكنها كانت دائماً مدينة إقليمية مهمة خلال العهد السوفياتي أيضاً - رغم أن عاصمة جمهورية أوكرانيا السوفياتية كانت حتى 1934 مدينة خاركيف (إلى الشرق من كييف) -، وقد شهدت المدينة بعد تخليصها من الاحتلال النازي الألماني عام 1943 نهضة صناعية كبرى وخاصة في إنتاج الآلات وحديد الصلب والمواد الكيميائية والأسلحة، والمواد الغذائية، والورق، والهيدروكربونات. وكانت هناك أيضاً علامة تجارية شهيرة من الكاميرات تصنع فيها تعرف باسم كييف لا تزال مطلوبة من قبل المصورين المحترفين.
وفق الرواية الرسمية، فقد تأسست كييف عام 482، واحتفلت بمرور 1500 عام على التأسيس في 1982، لكن الأدلة الأثرية التي عثر عليها حتى الآن تشير إلى وجود مستوطنات قبلية يعود أقدمها إلى القرن السادس الميلادي. وكما كل المدن القديمة، فإن ثمة أساطير متداولة عن ثلاثة أشقاء يتحدرون من إحدى قبائل السلاف الشرقيين دون وجود ما يثبت صحتها، وروايات عن تأسيس المدينة من قبل الشعوب التركية، وربما المجريين أو الخزر - الذين أطلقوا على المدينة بلغتهم الخاصة اسم «كي - ييف» الذي يعني شيئاً مثل «المستوطنة على ضفاف النهر».
لكن على كل الأحوال، فثمة إشارات لموقع مأهول في منطقة كييف الحالية ضمن كتابات قديمة لمؤرخين، وجغرافيين بيزنطيين، وعرب، وألمان. ويبدو أن قبائل من الفايكنغ استولت عليه في منتصف القرن التاسع الميلادي، وتطورت فيها نخبة حاكمة سيطرت على محيطها مستفيدة من موقعها على نهر الدنيبر قبل أن يستولي عليها زعيم الفارانج وحاكم مدينة نوفغورود - إلى الشمال من كييف - الذي حوّل كييف إلى عاصمة له ومركز لأول دولة سلافية شرقية مبكرة ازدهرت من خلال التجارة عبر النهر بين الإمبراطورية البيزنطية جنوباً وجوار بحر قزوين وشمالاً بحر البلطيق - فيما يسمى «طريق الماء من الفارانج إلى الإغريق». وفي عام 988، عزز إدخال المسيحية إلى كييف أهميتها كمركز روحي أيضاً، وانعكس تعاظم ثروتها من خلال تشييد مئات الكنائس الفخمة المزينة بالفسيفساء والفضة. ولا تزال كاتدرائية القديسة صوفيا، وأجزاء من دير كييف بيتشرسك لافرا (أو دير الكهوف)، كما أطلال البوابة الذهبية اليوم كتلك المرحلة التي شهدت أيضاً إقامة علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية البيزنطية وإنجلترا وفرنسا والسويد وعدة دول أخرى.
جلب ثراء المدينة إليها الطامعين من كل صوب، ناهيك عن الصراعات بين نخبتها ذاتها، فغزتها القبائل التي سكنت سهوب آسيا قبل أن تسقط في يد باتو حفيد جنكيز خان في 1240، ويهلك معظم سكانها وتذوي كمستوطنة صغيرة على أطراف مناطق الصدام بين دوقية ليتوانيا الكبرى وتتار سهوب آسيا. وفي 1569 أصبحت كييف تابعة لبولندا، لكنها تحولت بسرعة إلى مركز للمعارضة الأرثوذكسية ضد نفوذ الروم الكاثوليك البولنديين نشأت في ظلها بدايات أولى لقومية أوكرانية. وقد تلت تلك مرحلة من تناقل السيطرة على كييف بين القوازق الأتراك وروس موسكو والبولنديين، وقسمت المدينة في وقت ما إلى شرقية تتبع موسكو وغربية تلحق ببولندا، قبل أن تعترف بولندا بالنهاية بتبعية أوكرانيا الحالية برمتها إلى روسيا في عام 1667.
خلال العقود التالية، أصبحت المدينة روسية تماماً، لا سيما بعد أن أزيلت الحواجز الجمركية بين روسيا والأراضي الأوكرانية في عام 1754، ومع ذلك، لم تختف القومية الأوكرانية تماماً، واستمرت تنظيمات منها نشطة بالسر حتى القرن التاسع عشر، الأمر الذي تسبب بقلق كبير للقيصر الروسي فأمر بقمعها بمنتهى القسوة. لكن ذلك لم ينه الظاهرة ككل، واندفع من بقي من هؤلاء القوميين إلى مزيد من السرية والتطرف، وانتقلوا بمعظمهم نحو الغرب إلى مدينة لفيف الأوكرانية التي كانت خاضعة وقتها للإمبراطورية النمساوية. والمؤكد الآن أن كييف كما نعرفها اليوم بدأت في التطور مركزاً ذا أهمية إقليمية خلال تلك المرحلة من النصف الثاني في القرن التاسع عشر، لا سيما بعد ربطها منذ 1860 بشبكة من السكك الحديدية مع كل من العاصمة موسكو وميناء أوديسا المهم على البحر الأسود.
بعد الثورة البلشفية في 1917، انتقلت السيطرة على كييف بين القوى المتحاربة عدة مرات، واحتلتها القوات الألمانية خلال الفترة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، كما سيطرت عليها القوات البولندية لوقت وجيز، وأعلن القوميون بعد قمعهم للعمال البلاشفة أوكرانيا دولة مستقلة عام 1920 قبل أن تصبح أخيراً، في عام 1921 جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وبعد سقوطه عام الـ1991 استعادت أوكرانيا استقلالها مجدداً، وأعلنت كييف عاصمة لها ليسيطر عليها بشكل عام مزاج ليبرالي ونزعات قومية توجت في ثورة دعيت بالبرتقالية عام 2014 أسست لنظام الحاكم الحالي.
مع هكذا تاريخ متقلب، فإن كييف، كما بقية أوكرانيا، لديها مشكلات عميقة مع هويتها الذاتية. فمن بين سكانها الحاليين يتحدث ربعهم فقط الأوكرانية كلغة أولى، فيما يتحدث أكثر من 50 في المائة منهم بالروسية، لا سيما في منطقة مركز المدينة القوي اقتصادياً. لكن رغم أن اللغة الروسية هي اللغة الرئيسة للمدينة حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على الأقل، إلا أن الروس يمثلون 13 في المائة فقط من سكانها، فيما تختلط مجموعات من عرقيات وجنسيات مختلفة لتشكل الـ87 في المائة الأخرى. وقد فرضت الحكومة الحالية تشريعات وإجراءات لدعم اللغة الأوكرانية على حساب اللغة الروسية، لا سيما في مجالات التعليم والنشر والرقابة، وهو أمر لا شك ساهم في تصاعد التوترات داخل المجتمع الأوكراني المنقسم.
الحياة الثقافية في كييف غنية ومتنوعة، وتعكس تاريخها العريق كما تنوعها العرقي. وسوى معالمها المعمارية التاريخية القديمة، فالمدينة متخمة بالمتاحف والمسارح، إضافة إلى دار الأوبرا التي تأسست في عام 1867، ولعل أحد أهم هذه المتاحف ذلك المخصص للحرب الوطنية العظمى الذي يوثق الانتصار على العدوان النازي خلال الحرب العالمية الثانية وتكلفته الباهظة في أرواح سكان المدينة الذين ارتكبت بحقهم مجازر مروعة، كذلك المتحف الوطني للفنون الذي يضم أكثر من عشرين ألف قطعة، بما في ذلك أعمال لفنانين أوكرانيين وروس مشهورين. وفي المدينة جامعة كييف العريقة تأسست عام 1834 - تسمى الآن جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية -، كما فريق ناد مشهور عالمياً (دينامو كييف).
في حين أن مصير كييف اليوم سيتقرر إلى حد كبير من قبل الآخرين، فإن سكانها الذين يتمتعون بإرادة قوية وتصميم مشهود له، سيستمرون في تعظيم مكانتها كواحدة من أهم حواضر أوروبا الشرقية كلها وأبدعها.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.