هل أنهى الأميركيون سياسة التوافق العراقية؟

هل أنهى الأميركيون سياسة التوافق العراقية؟

الاثنين - 16 رجب 1436 هـ - 04 مايو 2015 مـ رقم العدد [13306]
وفيق السامرائي
ضابط متقاعد وخبير استراتيجيّ عراقيّ
في موقف لا سابق له منذ سقوط نظام صدام حسين، قرر البرلمان العراقي اتخاذ قرار حاسم برفض قرار برلماني أميركي بتسليح الكرد والسنة في معزل عن الحكومة العراقية، إذا لم تلتزم شروطا محددة في مجال المصالحة الوطنية، وهو ما فُسّر بأنه توجه أميركي ليس لتطبيق «مشروع بايدن لأقلمة العراق» فحسب، بل لتقسيمه إلى ثلاث دول (شيعية وسنية وكردية). وقد اتخذ القرار العراقي من قبل كتلة التحالف الوطنية الشيعية، التي تتمتع بأغلبية مريحة، ورفضت الكتلتان الكردية والسنية التصويت وغادرت قاعة الاجتماع. ومن هنا بدأ مشوار تجاهل سياسة التوافق التي درج عليها السياسيون خلال السنوات الـ12 التي أعقبت سقوط النظام.
وإذا كان الرفض والمقاطعة الكردية للقرار العراقي مسألة طبيعية، لأن الهدف الكردي كان وسيبقى العمل على الاستقلال، واستغلال الظروف والمواقف لتهيئة معطيات الانفصال، فإن الكتلة السنية ارتكبت خطأ استراتيجيا كبيرا ما كان عليها أن تقع فيه، لأسباب كثيرة، أهمها أن نقاط التلاقي المصيري بينهم وبين المصالح الكردية ضعيفة للغاية، خصوصا أمام الأطماع التي أظهرتها رئاسة إقليم كردستان تجاه الأراضي التي يتم تحريرها من «الدواعش»، ورفضها الانسحاب من القرى العربية، ورفض عودة أهالي القرى إليها، وتسوية آلاف البيوت بالأرض طبقا لما يرد من معلومات.
مشروع القرار الأميركي لا يمكن التعويل عليه، وستكون انعكاساته السلبية على العرب السنة مدمرة، لأن الأميركيين ليسوا مستعدين لخوض معارك برية في العراق، فمرارة المعارك السابقة لا يزال طعمها صعبا، ولا يوجد ما يهدد مصالحهم الاستراتيجية على المدى المتوسط، وليس متوقعا أن تقوم القوات الأميركية بتزويد العشائر السنية بأسلحة ثقيلة تفوق ما لدى «الدواعش» من أسلحة متطورة، وليس من السهل تشجيع العشائر على تأمين حشد بشري كبير بعد ما أصاب أبناءها من خسائر فادحة، وتغلغل الإرهابيين في وسط بعض العشائر.
وبما أن الحشد الشعبي المركزي بصفته الشيعية يواجه رفضا بخصوص المشاركة في العمليات من قبل بعض السياسيين السنة، فإن ثقل العمليات سيقع على عاتق أبناء العشائر السنية، وهو عبء يفوق أضعافا قدرة محافظة الأنبار، لا سيما أن المحافظات السنية الأخرى ليست مستعدة للقتال خارج حدودها، فالمناطقية ضربت جذورها بقوة في أفكار الناس، وفشل دعاة الإقليم السني في إثبات أي شكل من أشكال التعاون بين أبناء محافظاتهم.
المعطيات المستجدة هذه ستصدم الأميركيين قبل غيرهم، وبما أن الصوت الشيعي قد بدأ بالتوحد بقوة، فإن قصة التوافق والحرس الوطني والمحاصصة في المواقع ستتخذ منحى بعيدا عن التوافقات، وترجيح قواعد الأغلبية السياسية، في ضوء نتائج الانتخابات. وفي هذه الحالة سيكون في وسع الحكومة المركزية اتخاذ قرارات قوية، بعيدا عن المحاصصات. وهذا يعني أن الصوت السياسي السني سيتراجع بسبب خطأ المغادرة من اجتماع البرلمان الأخير، وهو خطأ استراتيجي كارثي، اتخذ تحت ضغط سياسيين فاشلين لم يقدروا النتائج الوخيمة جدا.
الحقيقة المرة، أن سياسة التوافق والمحاصصة أدت إلى إلحاق دمار كبير في العراق، ولم يستفد منها أحد من العرب السنة إطلاقا، إلا السياسيون والفاسدون و«الحرامية»، أما أبناء هذه الشريحة فلم يستفيدوا من تعيين مسؤولين منهم، خول بعضهم أقاربه ومكتبه بتعيين حصة المدن السنية من الوظائف، مقابل رشى تدفع مقابل التعيين تصل نسبة منها إليهم بطريقة وأخرى، فأثروا ثراء فاحشا. ومن المنطق تسمية المحاصصة السياسية بمحاصصة الفاسدين والثراء على حساب الفقراء والمساكين، الذين خدعوا بشعارات طائفية، يدفعون اليوم ثمنا مدمرا بسببها.
القرار الأميركي بتسليح السنة والكرد، قصم ظهر المحاصصة والتوافق، والعرب السنة سيكونون أكبر المتضررين دون شك، كما أن الكرد سيعانون أيضا من ردود مركزية، وسترتفع الأصوات المطالبة بالمفاصلة معهم في ظروف غير ملائمة لقيام الدولة الكردية، إلا أن السلاح الأميركي سيصل إلى المطارات الكردية، خصوصا مطار أربيل المسيطر عليه من قبل أمن مسعود بارزاني، وستثار خلافات عميقة وخطيرة مع الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة التغيير، لأن حزب البارتي بزعامة بارزاني سيحرمهما من حصتهما من السلاح، وستكون فرصة المناورة لبغداد عالية، كما أن محافظة كركوك المسيطر عليها من قبل الاتحاد الوطني الكردستاني سيكون لها موقف صعب تجاه رئاسة الإقليم.
إذن، علينا أن ننسى وجود توافق على المسائل الاستراتيجية ونحن أمام مرحلة مركزية شرعية.

التعليقات

باسم العلي
البلد: 
العراق
04/05/2015 - 07:10

جزاك الله خير الجزاء على هذا التحليل الرائع للحدث وهنا بودي التساؤل واتمنى ردا منك ايها العراقي الغيور :
ما الغرض الذي ترمي اليه امريكا وراء هذا القرار على المدى البعيد وما الدور الذي يلعبه البرزاني فيها وما اثر قطع الماء على الجنوب بعد التقسيم وما اهمية ميناء مبارك هنا؟؟؟؟؟؟!!!!!!

ابن الموصل
البلد: 
العراق
04/05/2015 - 13:35

تحليل صحيح .. وحبذا لو انسحب الاكراد والسنة من الحكومة ومن البرلمان ومما يسمونه العملية السياسية .. والتوقف عن سياسات التوافق والمحاصصة التي اضرت بالبلاد وان يتركوا الحكم للاخوة الشيعة ليتحملوا المسؤولية لوحدهم وقد يقول قائل لماذا ينسحبون ؟ وانا اقول ان وجودهم اضحى ديكورا .. وهم اصبحوا شهود زور على تفكيك العراق وتدميره

جابر الشلال الجبوري
البلد: 
العراق
04/05/2015 - 16:31

تحليل واقعي جداً ، والامريكان يحاولون منذ سقوط النظام البعثي تقسيم العراق والمتضرر الوحيد من كل ذلك هم سُنة العراق ، وأقولها بكل صراحه أن السُنه لم ينتخبوا ممثليهم الحقيقيين في البرلمان وقد فشلوا في تمثيلهم ولم ينقذهم من فشلهم هذا الا بأختلاق الاكاذيب واللجوء الى أحضان الاجنبي ، العديد من السياسيين السُنه أدركوا خطورة الموقف على مستقبلهم في العراق وأخذوا يعيدوا من حساباتهم ويلتحقوا بالصف الوطني نتيجه لوعيهم ووطنيتهم ، الفريق الركن وفيق السامرائي بالرغم من كل الدعايات والتشويه المقصود الذي يتحدون عنه ألا أنه أثبت بأنه أبن العراق وحريص على مستقبل العراق كغيره من أبناء السُنه الشرفاء الذين يخافون على العراق ولكنهم يتعرضون للتشويه من قبل السياسيين السُنه الدواعش ، وفق الله ياوفيق السامرائي وسوف لن ينسى الشعب العراقي مواقفك النبيله

احمد علي
البلد: 
العراق
04/05/2015 - 16:38

ليست حرية راي ولا ديمقراطيه من يشجع هدا الافاق تبقون رايه ومن ينتقده تزيلون رايه شكرا لحياديتكم

مهندس روؤف
البلد: 
عراف
04/05/2015 - 19:15

بارك الله بكم يا استاد فكثيرا من العطاء لتوير هذا المجتمع المتخلف سياسيا واجتماعيا.

فهران الصديد
البلد: 
iraq
05/05/2015 - 05:37

سؤالي للاخ وفيق اليس العراق الان مقسما واقعيا ..عندما يمنع عراقي من دخول عاصمته الا بكفيل ولايدخل كردستان الا بكفيل ماذا يعني هذا لك ؟؟؟؟؟
الاقليم هو انسب حل لايقاف الدم

كوردى مخلص
البلد: 
امريكا
05/05/2015 - 07:09

رفض المشروع سيكرس الديكتاتورية وحكم الاغلبيةولذلك المصيبة اعظم

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة