علي المزيد
كاتب وصحفي سعودي في المجال الاقتصادي لأكثر من 35 عاما تنوعت خبراته في الصحافة الاقتصادية وأسواق المال. ساهم في تأسيس وإدارة صحف محلية واسعة الانتشار والمشاركة في تقديم برامج اقتصادية في الإذاعة السعودية، ومدير التحرير السابق لصحيفة الشرق الأوسط في السعودية وهو خريج جامعة الملك سعود.
TT

عصامي وعظامي

يحكى أن تاجرا عصاميا - وأنتم تعرفون معنى العصامي، وهو الذي جمع ثروته بنفسه وبكده وعرقه - كان يلوم أبناءه حينما يكونون على وجبة الإفطار ويغرف أحدهم في طبقه أكثر مما يستطيع أكله من الفول، ورغم هذا الموقف فإنه حين يأتيه طالب مساعدة أو عون أو تبرع لعمل خيري يعطيه مليونَي ريال أو ثلاثة ملايين حسب طبيعة العمل الخيري. انتقل هذا التاجر إلى رحمه الله، ومن الطبيعي أن يرث أبناؤه ثروته ليصبحوا عظاميين، أي وصلت إليهم الثروة دون كد وإنما بالنسب.
بعد أن ورث الأبناء هذه الثروة الطائلة بدأوا ينفقونها على ما لذّ وطاب وبشراء السيارات الفارهة. ولم يعترض أحد في بداية الأمر ولكن الأمر تجاوز حده ليبدأوا بإقامة الحفلات الصاخبة والإنفاق على المغنين والمغنيات ومستلزمات الحفلات التي تجاوزت مئات الآلاف من الريالات، مما جعل أحد أعمامهم يوجه إليهم رسالة مؤثرة يشرح فيها أن هذا المال جمع بكد وعناء ولا يجوز إنفاقه بهذه الطريقة، ودفع ذلك أيضا عمهم الآخر إلى أن يتبعها برسالة أخرى، ومما قيل في الرسالتين كلام مؤثر كثير منه: «والله إني أخشى أن يصيبكم الفقر، فإن لم يصبكم فقد يصيب أبناءكم»، ويعلل ذلك بسبب البذخ والإسراف وما يصاحبه من سهر في الليل وإضاعة المصالح في النهار ولعل لهذا العم رؤية صائبة نتيجة لتجربته الطويلة.
ومن أطرف النكات التي سمعت في هذا المجال أن ثلاثة من أصحاب المال لا يعرف بعضهم بعضا جيدا اجتمعوا على طاولة عشاء، فبدأ الأول يقص كفاحه في جمع المال، وتبعه الآخر بسرد حكايته وكفاحه في تأسيس الشركات وجمع المال رغم البيروقراطية وتسلط الظروف، بعد أن أنهى الاثنان سرد تجربتيهما توجها إلى الثالث وقالا له: شيخ ناصر، كيف جمعت المال؟ فأجاب ببساطة: «أفقت صباحا وإذا في رصيدي ملايين الريالات»، في إشارة منه إلى أنه ورث الثروة ولم يجمعها. ضحك الاثنان وأجاباه بصوت واحد: هذا أفضل عمل. فيا ترى كم من عصامي جمع مالا فبدده عظامي؟ ولعل هذه سنة الله في خلقه، فالعظامي يبدد المال والعصامي يجمعه. ودمتم.