أوكرانيا لماذا سقطت وكيف سيكون العالم بعدها؟!

أوكرانيا لماذا سقطت وكيف سيكون العالم بعدها؟!

الثلاثاء - 4 شعبان 1443 هـ - 08 مارس 2022 مـ رقم العدد [15806]

توجد في السياسة لحظات تاريخية تستدعي وجود قادة تاريخيين. هذه اللحظة نراها الآن في أوكرانيا. بعد قرار الرئيس بوتين اجتياح أوكرانيا، وقرار رئيس أوكرانيا أن يقاومه ولو بأسنانه، وبعد تهدم الأبنية، وتساقط الناس قتلى وجرحى، تنادى الجميع: أيحدث ذلك في القرن الحادي والعشرين؟ وتساءل الأوروبيون: كيف يحدث ذلك فوق أراضينا؟ رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون كان واحداً من هؤلاء؛ اعترف منذهلاً بأن ما «حدث ليس في مكان بعيد، بل فوق أرضنا الأوروبية»؛ وكأنه يقول: ممكن ذلك في أماكن نائية، لكن فوق أرضنا! إنه شيء مرعب!
تكمن صدمة القادة الأوروبيين، وشعوبهم، بأنهم يؤمنون بصدق بتفوق نموذجهم الديمقراطي، وبأن بريقه لا يقاوم، والدليل إنجاز أوروبا الأكبر في اتحاد أوروبي نجح في منع الحروب، وتنمية التجارة، وفتح الحدود، وحماية حقوق الإنسان، والمساهمة في السلم العالمي عبر المساعدات الإنسانية، والدبلوماسية، وقوات حفظ السلام. هذه القناعة مترسخة في أذهان قادة أوروبا؛ لذلك غاب عن عقولهم عِبَر التاريخ، فمضوا ظانين أن الرئيس الروسي يناور بحشده الآلاف من جنوده على حدود أوكرانيا، واستمروا قانعين بأنه غير قادر على تنفيذ تهديداته لإيمانهم أنه يريد الاحترام، وأن تُعامل روسيا على قدم المساواة. وهكذا انقسمت أوروبا إلى شطرين: شطر له تجربة مع الروس، وآخر تغلغلت في شرايينه قيم الليبرالية. المجرّبون فهموا من اليوم الأول ماذا يريد بوتين، فتنادوا قائلين أوقفوه! والشطر الآخر تنادى للتفاوض إيماناً بأنه سيعطي بوتين بعض مطالبه، وتنتهي المشكلة، وتعود عجلة الحياة لسيرتها الأولى. ففي التفاوض كانت البداية خاطئة لأن الغربيين بنوا استراتيجية التفاوض على اتخاذ كل الخطوات التي تُطمئن الرئيس بوتين، فتفهموا مطالبه بألا يقترب الناتو من حدوده، وفاوضوه على أن تكون أوكرانيا فيدرالية أو حيادية، لكن الأوكرانيين رفضوا؛ لأنهم يعرفون بحكم التجربة ماذا يعني العودة إلى الحضن الروسي! هذا المنطق التفاوضي الغربي القائم على تخفيف التصعيد، ثم بناء الثقة ثم التوصل إلى أرضية ترضي الطرفين، كان يقابله قناعة روسية بأن الغربيين الليبراليين عاجزون عن الحرب، وأن مجتمعاتهم رخوة، ومؤسساتهم متنافرة، واقتصادهم مدمن على النفط والغاز الروسي؛ ولذلك فإن تكتيك التفاوض الروسي كان يعتمد سياسة التصعيد، ثم رفع سقف المطالب، لتحقيق أقصاها؛ مما يجعل أوكرانيا دولة بلا معنى لوجودها.
العقل الأوروبي الغربي لا يستوعب أن الحرب يمكن أن تقع فوق أراضيه، رغم أنه عايشها قبل ذلك في البوسنة والهرسك، وفي الشيشان، ثم جورجيا، وفي جزيرة القرم؛ وكان، في كل مرة، يرفض هذا العقل أن أوروبا الليبرالية يمكن أن تعود لهمجيتها! لكنه انصدم عندما رأى الدبابات والطائرات والمدافع تدمر مدناً أوروبية، ويسقط فوق أراضي أوروبا أوروبيون، وتتعطل الحياة، وترتفع أسعار الطاقة، ووجد قادته يظهرون على الشاشة يبلغونهم أن المحظور قد وقع! بهذه الصدمة اكتشف الأوروبيون أن قادتهم ليسوا على مستوى الحدث؛ لم يحتاطوا لمنعه، ولم يستطيعوا، رغم وحدتهم، وقدراتهم، ومبادئهم، وأحقية قضيتهم، أن يرسلوا جندياً واحداً لمقاومة المعتدي. هذا الشعور ولَّد لديهم الإحساس بأن أوروبا عليها أن تتغير؛ فكان إعلان ألمانيا لأول مرة في تاريخها عن زيادة التسليح بمقدار مائة مليار دولار، وعن إرسال معدات قتالية للأوكرانيين، وحتى سويسرا المحاذية، والسويد المتصالحة مع الروس، أرسلوا أسلحة للأوكرانيين؛ اكتشف الأوروبيون أنهم في حاجة إلى نظام أمني جديد، وأنه يجب أن يكون أوروبياً، وخلفه يجلس الأميركان.
عودة ألمانيا إلى طبيعتها الأصلية تترتب عليها تبعات كبيرة؛ لأنها كلما تسلحت سببت مشكلة أكبر ليس لأوروبا بل للعالم؛ فهي كانت سبباً في حربين عالميتين، وبعودتها ستكون سبباً في تغير دور القارة الأوروبية. لكن عودتها هذه المرة ستكون لحماية الليبرالية الأوروبية، وتعزيز قوة أوروبا لدرء الخطر الروسي، ولحماية اقتصادها من المنافس الصيني؛ هذه الصحوة الأوروبية تلاقي الترحيب الحار من واشنطن التي تريد للقارة الأوروبية أن تلعب دوراً أكبر وأن تخفف عنها العبء العسكري وتبعاته لكي تتفرغ أكثر إلى محاصرة المارد الصيني. فما شاهدناه من تكتل متراص في العقوبات على روسيا، هو بداية لعالم جديد، ستكون فيه روسيا عدواً ضرورياً لكي تبقى أوروبا موحدة، وعدواً لكي تبني اقتصادها بعيداً عن النفط الروسي وغازه؛ وهكذا تتحرر أوروبا، وتقع روسيا أكثر في الحضن الصيني؛ وبوقوعها ستفقد دورها اللائق كقوة عالمية وتصبح تابعاً للمارد الصيني الأكثر منها مالاً في الاقتصاد وعتاداً وعديداً.
هذا العالم المتشكل أمام أعيننا يسبقه امتناع غربي عن التدخل في القتال في أوكرانيا؛ لأن الأوروبيين لا يريدون حرباً مع الروس قد تتحول إلى قتال بالنووي، ولأنهم يدركون أن بوتين باجتياحه أوكرانيا وابتلاعها سرعان ما ستعلق بحلقه، وستسبب له مشاكل أكثر، ولأنهم عازمون على محاصرته بمد المقاومين بالسلاح والمال، وبخنقه اقتصادياً وبتدرج لكيلا يتضرر اقتصادهم، ولأنهم قرروا أن يتقدموا لحدود أوكرانيا بأسلحتهم رافعين شعار: الْزم حدودك. فالرئيس الروسي لن يستطيع أن يتقدم شبراً، بعدما أبلغوه أنهم سيدافعون عن كل شبر من الأراضي التي يعتبرها بوتين مناطق نفوذ له مثل دول البلطيق ورومانيا وبولندا وغيرها؛ وسيجد نفسه خاضعاً لسياسة الاحتواء التي عاشها الاتحاد السوفياتي. هذه السياسة جوهرها الاستمرار بخنقه لكي تحدث، حسب تصورهم، تناقضات داخل دائرته، وتذمر لدى شعبه، ومن ثم تكون فرصة ليس سقوط روسيا إنما سقوطه وسقوط مشروعه لإعادة مجد روسيا وليس مجد الاتحاد السوفياتي؛ فبوتين يرى أن الاتحاد السوفياتي ضحى من أجل شعوب ناكرة للجميل، وأنه عازم على بناء روسيا القيصرية! لكنه بلا وعي سهل ولادة الوحش الأوروبي، كما يقول رئيس جورجيا، بكل ما يمثله من وحدة وقوة.
هذا هو العالم الذي ينتظرنا كعرب... فهل استعددنا له؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو