وبدأ تدمير الجنس البشري

وبدأ تدمير الجنس البشري

الاثنين - 9 رجب 1436 هـ - 27 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13299]
عطاء الله مهاجراني
صحافي ايراني

اقتبستُ هذا العنوان من مقال كتبه غونتر غراس؛ فحتى بعد وفاته، ما زلت أعيش في عالمه وأتنسم عبير كلماته. في عام 1982، في مدينة روما، ألقى غراس خطبة أنعم التفكير في كلماتها، وكان عنوانها «وبدأ تدمير الجنس البشري».
في هذه الأيام، يبدو أننا نقف على حافة دمار الجنس البشري، والقيم الإنسانية، ولا يتحمل أحد المسؤولية عن هذا الدمار سوانا نحن البشر. ونظرًا لأننا جميعًا على متن السفينة نفسها، فإن وجهتنا أيضا واحدة. ربما، مثل «تايتانيك»، بينما كانت السفينة تتعرض للغرق، كانت الفرقة الموسيقية في أحد الأركان مستمرة في عزف آخر مقطوعة موسيقية لها «الخريف». كانوا يغرقون، ولكنهم لم يتوقفوا عن الغناء، الناس جميعهم بمن فيهم الأطفال كانوا يغرقون أيضًا.
لم يكن هناك فارق بين الأثرياء مثل جون أستور، الذي كان يعدّ واحدًا من أغنى الرجال في العالم، والفقراء الذين كان يحلمون بحياة جديدة في أميركا الشمالية. كانوا جميعًا يغرقون. وإلى جانب الأشياء الأخرى، كان هناك كتاب فريد من نوعه يغرق أيضًا؛ إنه كتاب رباعيات عمر الخيام النيسابوري، ذلك الكتاب الذي ألفه الخيام لحاكم سمرقند، خلاصة الروح هي التي كانت تغرق مع بقية الأشياء على متن «تايتانيك».
وكما كان الحال مع «تايتانيك»، أعتقد أن عالمنا يواجه جبلا جليديا عملاقا من الغطرسة، والجهل المقدس، وحربًا دعائية باعثة على الملل.
لقد فقدت الكلمات معناها الحقيقي، أو الصحيح؛ فعلى سبيل المثال هناك حقيقة واضحة وضوح الشمس، وهي أن حزب البعث العراقي كان ولا يزال مصدر الكوارث وعدم الاستقرار. عندما استمعت لخطاب عزة إبراهيم الدوري بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لإنشاء حزب البعث، شعرت بالصدمة من كلماته، فقد كان يتحدث كما لو كان يتكلم عن السيد المسيح، وحواريه، وليس عن صدام حسين، ورجاله، بمن فيهم عزة إبراهيم الدوري.
على سبيل المثال، قال في عام 2012: «هذا هو البعث اليوم كما ولدته الأمة قبل خمسين عاما، لم يزل نقيا تقيا طاهرا زكيا، إيمان عميق كحد إيمان بعين اليقين، إيثار ومحبة، وتسامح، وحكمة، وحنكة».
في الواقع، إذا توفر قدر ضئيل من الحكمة لقادة البعث وإدارته، وكان لديهم قدر بسيط من التسامح تجاه الشعب العراقي، فإن مصير البعث، وصدام حسين، وولديه، وأقاربه وعزة الدوري، حتما كان سيختلف عما آل إليه.
دعوني أقصّ عليكم ذكرى شخصية. عندما كنت أستضيف سعدون حمادي عندي في 1990، في الوقت الذي كانت الكويت فيه خاضعة لاحتلال الجيش العراقي، حيث تعرض صدام لخداع السفيرة الأميركية غريبة الأطوار أبريل غلاسبي، التي تعد السبب الرئيسي وراء كل المصائب التي حلت بالعراق.
كان عزة الدوري حينها رئيس الوفد العراقي، وقال إنه يريد زيارة مشهد بغرض الحج. وكنت أصطحبه هو وسعدون حمادي، وكان يجلس بمفرده، فيما كان يقف أمامه حارس يرتدي ملابس بلون زيتوني على بعد مترين أو ثلاثة. وكان الحارس يمسك بإبريق شاي ذهبي اللون، وكان هناك كوب زجاجي موضوع على طبق ذهبي. عندما أومأ عزة الدوري، سكب له الحارس بعضا من الشاي بالنعناع، ثم نظر إلى وجه عزة الدوري، الذي أومأ للحارس للمرة الثانية، فأبعد الحارس الكوب عنه.
وفي مرقد الإمام رضا، بدأ عزة الدوري في الصلاة لفترة طويلة، وكأنه كان يصلي صلاة التراويح، وكان يقف حارسه بجواري مستندًا إلى جدار من الرخام، فسألته لماذا يومئ لك السيد إبراهيم بدلاً من أن يتحدث؟ فهمس لي قائلاً إن إبراهيم لا يعرف اسمه، وإن الحارس غير مصرح له بالحديث معه.
وفي طريقنا إلى طهران، جلست بجوار الدوري، فقلت له: عزيزي السيد إبراهيم، أود أن أطرح عليك سؤالا واحدا بسيطا، لقد اخترت السياسة كأسلوب حياة، إذا تمكنت من العودة بالزمن إلى الوراء، عندما كنت لا تزال في العشرين من العمر، فهل كنت ستختار تلك الحياة نفسها مرة أخرى؟ فابتسم لي ولاح بريق في عينيه اللتين تنضحان ذكاء، ورد بعد برهة، وكان رده صادمًا لي، بل ربما كان واحدا من أفضل الردود التي تلقيتها في حياتي. أخذ الدوري ينشد بيت شعر للجواهري يقول فيه:
كم من سؤال عميق
له الدموع جواب
دعوني أعُد للحديث عن سفينة العالم، التي تواجه جبلا جليديا خطيرا. تلك السفينة الغريبة، وأعني بها العالم الذي نعيش فيه، تواجه وضعا خاطئا إلى درجة تثير الرعب.
لنتخيل المهاجرين من المسلمين والمسيحيين، الذين حاولوا الذهاب إلى إيطاليا من ليبيا، على متن قارب منذ نحو أسبوعين. لقد ألقوا في البحر 12 مسافرا على المركب نفسه، مما أدى إلى مقتلهم، لأنهم كانوا من المسيحيين.
كان إجمالي عدد المهاجرين هو 105، غادروا ليبيا على متن قارب مطاطي، وكان المسلمون من ساحل العاج، ومالي، والسنغال، بينما كان المسيحيون من نيجيريا، وغانا.
ثم حدث ما هو أسوأ من ذلك الحادث، حيث نشر تنظيم داعش مقطع فيديو يظهر فيه نحر رؤوس الإثيوبيين في ليبيا. ويبدو أن الضحايا كانوا عمالا هاجروا من بلادهم للعمل في ليبيا. ولنا أن نتخيل أن هؤلاء الضحايا من بين أفقر الناس في أفريقيا.
لا شك أن تاريخ هذه الحقبة المعاصرة سوف يُكتب بحبر من الكراهية، والدماء، والدموع.
لقد نجح المسلمون في بناء واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، وذلك نتيجة لتسامحهم مع كل الأديان، والطوائف في جميع أنحاء العالم، وشهدت هذه الحضارة ظهور العديد من العلماء، والفلاسفة، والقضاة، وعلماء الدين، والمفكرين، الذين لم يكونوا من العرب، أو في بعض الأحيان لم يكونوا من المسلمين. لقد كان التسامح والحكمة هما الأساس الذي أُقيمت عليه الحضارة الإسلامية.
مع ذلك، هناك غطرسة غريبة لدى الجماعات المتطرفة مثل «داعش»، و«داعش» الليبية، الذين يعتقدون أنهم المختارون من السماء، مما يجعلهم يبررون أفعالهم الهمجية بأنها من تعاليم الدين. وهذا مشابه لتبرير عزة الدوري لأفعال حزب البعث الذي جلب الخراب للشعب العراقي العظيم.
تنبع مشكلة تنظيم داعش أو البعث، والجماعات المشابهة لهما، من حقيقة أنهم يعتقدون أن أفكارهم هي المعيار الذي يتعين على الآخرين الالتزام به، لذا فعندما يتولون السلطة، يسفكون الدماء، ويزجون الرؤوس، ويحرقون الناس وهم أحياء، بدم بارد، وقبضة حديدية.
عندما ننظر إلى عيون هؤلاء الأطفال الأبرياء، الذين سقطوا ضحايا للجرائم الهمجية التي ارتكبها تنظيم داعش، جرائم الحرب الهمجية تلك، مثل جز رؤوس أولئك المسيحيين على شاطئ البحر في ليبيا، فسوف نرى في أعينهم التي تبدو كالمرآة، أننا نعيش في عصر تدمير الجنس البشري.
وكما أوضح ريتشارد بيسل، في كتابه الجديد الذي صدر بعنوان «العنف»، ما نشهده من عنف «مثل الأوساخ، والتلوث، هو مسألة تتعلق بالإدراك كما أنه حقيقة».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو