لعبة التسميات في السوق والسياسة

لعبة التسميات في السوق والسياسة

الاثنين - 6 رجب 1443 هـ - 07 فبراير 2022 مـ رقم العدد [15777]

ابتكرت شركة «أبل» تحت قيادة رئيسها الراحل ستيف جوبز، طريقة مميزة في تسمياتها لمنتجاتها. اعتمدت هذه الطريقة على إضافة حرف I قبل اسم المنتج. وكانت فكرة عبقرية، ميّزت بشفرة بسيطة منتج الشركة عن منافسيه: آي بود، آي فون، أي تيونز، آي وركس... إلخ.
بلغت شركة «أبل» مع ستيف جوبز مبلغاً عظيماً من الانتشار، وامتدت إلى قطاعات جديدة، كما صارت «أبل» وجمهورها أشبه بطائفة لها أتباع في كل مكان في العالم. ومع التخزين السحابي، الآي كلاود، صار من الأفضل لعضو طائفة «أبل» أن يشتري كل منتجاته من نفس الشركة، لكي يظل في «بيئة أبل».
كان هذا عنصراً تسويقياً بالغ الأهمية. حيث صار لـ«أبل» جمهور «مضطر» إلى إعطاء الأولوية لمنتجاتها، وعلى قبول فارق كبير في السعر، من أجل أن يظل ضمن نفس النظام البيئي الإلكتروني.
رحل ستيف جوبز وتسلم تيم كوك الشركة وهي تتمتع بهذه القدرة السوقية والتسويقية الضخمة. معه العنصر الأول وهو القطاع العريض من الزبائن. تحت قيادته انتقل إلى عنصر آخر. حدث تغير لافت في شفرة التسمية المميزة لـ«أبل». لم يعد التطبيق المشغِّل لمكتبتك الموسيقية على «أبل» اسمه «آيتيونز»، صار «ميوزيك». وهي اللفظة الإنجليزية لكلمة موسيقى. أي أن منتج «أبل» صار يحمل الاسم القاموسي للمنتج، صارت «أبل»، «صاحبة الموسيقى». وهو النمط الذي امتد إلى غيره. إلى تطبيق البريد، إلى تطبيقات الكتابة، إلى تطبيق البودكاست، وإلى تطبيق الصور. «أبل» تريد أن تقول إن على الآخرين تمييز أسماء منتجاتهم، أما أنا فلديّ القدرة على احتكار اسم المنبع.
انتقلت لعبة التسميات هذه إلى الآلة الإعلامية الأهم اجتماعياً وسياسياً، «السوشيال ميديا». إن كنت قادراً على احتكار اسم المنبع ضمنت أن يوجه الألجورذم الزبائن إليك. ما عليك إلا أن تكون قادراً على امتلاك اسم المنبع وإدارته، وهي مهمة، وستضمن أن يتوجه إليك المتصفحون.
الجهات التنظيمية نجحت في محاكاة شركة «أبل» في السيطرة على «السوشيال ميديا» الناطقة بالعربية. بنفس التكنيك. التسميات والكلمات المفتاحية. حتى المجالات التي يُفترض أن تكون بعيدة عن اهتماماتك، كالفن، والموسيقى، وكرة القدم (لطالما قالوا إنها وسيلة الأنظمة الحاكمة في إلهاء الشعوب!). في كل مجال من هذه ستجد صفحة اسمها مباشر، بالكلمة التي تأتي إلى عقلك أولاً إن حاولت أن تبحث عن هذا الموضوع.
ستقول لي: بسيطة... لماذا لا يفعل الآخرون ذلك؟ وإجابتي أن هذا ما جعلني أبدأ المقال من شركة «أبل» وتطور تسمياتها. التنظيم قادر على فعل ذلك لأنه يمتلك الزبائن الجاهزين. القوة التسويقية التي تجعله قادراً على ترسيخ نفسه كمالك للـميوزيك، وبودكاستس، وميل، وفوتوز، بأسمائها الأصلية، كأنه منبعها. التنظيم يبدأ من نقطة متقدمة جداً، لا تصل إليها الجهود الفردية ولو بعد سنوات. وبهذه القدرة على المشاركة يصل إلى أضعاف عدد أفراده. ويستمر في استقطاب الزبائن المحتملين من غير أعضائه ببث مادة عادية لا يبدو على السطح أنها خارجة من التنظيم.
لكن وقت الأزمة يكشف عن نفسه،. فترى صفحة متخصصة في النقد الفني تشن حرباً على الفن متحدثةً بنفس خطاب التنظيم، وصفحة الكرة تروّج للمرتبطين به وأفكارهم، وصفحة «الطرب» تدخل في السياسة... الغرض من كل هذا أن يجمع كل الاهتمامات ويوفرها إلى مسار واحد.
المواجهة الإعلامية المعاصرة أعقد كثيراً من أي وقت مضى، حيث إنها عبارة عن ملايين التفاصيل الصغيرة، ولكن المؤثرة أيضاً، والمعبّرة عن نفسها من خلال تغير ذهنية الإعلامي المعاصر. الموضوع ليس خطوات تُملى عليك، بل عقلية متشبعة باختلاف معنى الإعلام كلياً، واختلاف عادات التصفح، واختلافات طرق التعبير، صارت مهنة أقرب إلى مفاهيم التسويق منها إلى النشر. مهنة تبدأ من تفهم الزبون وعاداته وتفضيلاته، ثم خلق براند، ثم تعميم هذا البراند.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو