عمر أنهون
TT

الأزمة السورية لم تنتهِ بعد

أعلن التحالف الدولي انتصاره على تنظيم «داعش» في العراق في ديسمبر (كانون الأول) 2017 وفي سوريا في مارس (آذار) 2019 بعد أن فقد التنظيم سيطرته على الأرض، وإن لم يختف كلياً. قتل عدد كبير من المسلحين وبات أولئك الذين تم أسرهم أحياء قابعين في سجون مثل سجن الحسكة، فيما تمكن البعض من الفرار من سوريا والعراق، واختبأ البعض تحت الأرض في انتظار نداء.
شرع «داعش» في إعادة تنظيم صفوفه في العراق، في الغالب داخل وحول مدن كركوك، وديالى، وصلاح الدين ومحيط بغداد. وفي سوريا، تتصدر صحاري السخنة ودير الزور الواجهة حيث يقوم تنظيم «داعش» بعمليات كر وفر، وينصب الكمائن منذ أمد طويل.
العام الجاري، تمكن التنظيم الإرهابي من ضرب مدن ديالى في العراق ودير الزور في سوريا ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى آخرين. وكان الهجوم على سجن غويران من أكثر أفعال «داعش» إثارة للقلق مؤخراً.
هل يعيد التاريخ نفسه؟ بالعودة إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت هناك عملية في العراق انتهت بـ«داعش» وجرى حل الجيش العراقي. وفيما بات السنة خارج النظام، أصبح الأكراد والشيعة الركائز الأساسية للعراق الجديد. وفوق ذلك جاءت السياسات الطائفية لنوري المالكي لتغضب السنة وسرعان ما تنامت قوة «داعش».
اليوم في سوريا، فإن المناطق التي ينمو ويقوى فيها «داعش» هي المناطق التي تنشط فيها إيران بشكل كبير وترسخ نفسها في المناطق التي وقعت تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». وتتميز هذه المناطق بأغلبيتها العربية السنية والقبلية، والعديد من السكان المحليين لديهم حساسية منذ عقود، وفي بعض الحالات لقرون، فهم غير راضين عن الوجود الشيعي. وليس من المستغرب أن هذه الأماكن باتت أرضاً خصبة لأنشطة «داعش».
في شمال سوريا، تسيطر «هيئة تحرير الشام» على إدلب وتدار المنطقة من قبل «حكومة الإنقاذ» السورية المعارضة. ويعتمد النشاط الاقتصادي بشكل أساسي على تركيا. لكن التجارة مع أجزاء أخرى من سوريا بما في ذلك تلك المناطق الخاضعة لسيطرة النظام مستمرة أيضاً.
«هيئة تحرير الشام» مدرجة على قائمة الجماعات الإرهابية لجميع الدول والمنظمات الدولية تقريباً، لكنها تحاول إبراز صورة مختلفة. فقد نفذت العام الماضي عمليات ضد جماعات مسلحة تتكون بشكل رئيسي من مقاتلين أجانب بما في ذلك تركستان الشرقية وآسيا الوسطى، لكن كل ذلك جرت تهدئته.
أصبحت جميع القوى الفاعلة على دراية بـ«هيئة تحرير الشام»، ولا أحد يدري ما هو البديل حال اختفت. ربما يظهر كيان أكثر راديكالية، لكن «هيئة تحرير الشام» لا تزال باقية، بل إن البعض يفكر في إمكانية وجود نموذج لحركة «طالبان» هنا.
على أي حال، تواصل روسيا تذكير الجميع بوجودها من خلال القصف الجوي، ومن بين أهدافها مزارع الدواجن ومستودعات المياه وفي بعض الأحيان مناطق قريبة من خيام اللاجئين. وتركيا تبدو حذرة للغاية بشأن إدلب حيث يجدد القتال هناك، وهو ما يمكن أن يؤدي لوجود اللاجئين. ومن يدري؟ فقد نرى موجات الوافدين تعود إلى تركيا مرة أخرى.
بالإضافة إلى الشرق والشمال، تعتبر الأوضاع في عفرين وعين عيسى متقلبة أيضاً. فقد كان مركز مدينة عفرين هدفاً لهجوم بسيارة مفخخة ولاحقاً أصيب بقذائف أطلقتها من مناطق سيطرة «وحدات حماية الشعب» حيث سقط ضحايا مدنيون. وتبدأ وحدات حماية الشعب تتحسس الأوضاع هناك.
من ناحية أخرى، تبدو «وحدات حماية الشعب» عازمة على الحفاظ على مكاسبها التي حصلت عليها على مر السنين، حيث تسيطر على ما يقرب من 30 في المائة من سوريا، فهي تدير هذه المناطق من خلال الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. وفي عدة مناسبات، أوضح المتحدثون باسم «وحدات حماية الشعب» أنهم لن يقبلوا العودة إلى أوضاع ما قبل عام 2011، وصرح مظلوم كوباني، زعيم «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعتبر «وحدات حماية الشعب» عمادها، خلال مقابلة أجريت معه مؤخراً، بأنه يجب تضمين قضية الحكم الذاتي للأكراد في الدستور السوري الجديد والاعتراف رسميا بقواتها المسلحة (أسايش).
أجرى الروس اتصالات بين الأسد و«وحدات حماية الشعب» حيث تتعاون روسيا والولايات المتحدة من كثب بشأن هذه المسألة. وقد يكون لدى الأسد ووحدات حماية الشعب ما يمكن تسميته بخصوم مشتركين، ولكن عندما يتعلق الأمر بشكل البلد المستقبلي، فإن الجانبين يبدوان بعيدين عن بعضهما البعض.
في جنوب سوريا، ثمة حالة معقدة للغاية من اللعب مع الأردن وروسيا والولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ونظام الأسد والمعارضة المسلحة التي تم تحييدها لكنها ما زالت تقاتل النظام عند الحاجة. فالاغتيالات والهجمات المسلحة لم تتوقف وجميع الأطراف في حالة تأهب قصوى.
يعتقد الكثيرون أن نظام الأسد حقق العام الماضي الكثير من حيث التطبيع. وكان من المتوقع أن تتجلى جوهرة التاج في عودة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية في القمة التي كان مقرراً أن تعقد في مارس بالجزائر حيث إن سوريا واحدة من ستة أعضاء مؤسسين لجامعة العربية، لكن تم تعليق عضويتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.
في الأسبوع الماضي، بعد مشاورات داخلية في الجامعة العربية، أعلنت الجزائر تأجيل القمة بسبب حالة عدم اليقين بشأن تفشي الوباء. لكن على الأرجح، كان السبب الحقيقي للتأجيل هو القضايا الرئيسية الإشكالية مثل التوترات بين الجزائر والمغرب، والحرب في اليمن وعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية. وبدلاً من عقد اجتماع غير ناجح، ربما تم اعتبار التأجيل على أنه البديل الأفضل.
وفيما أعلن بعض أعضاء الجامعة العربية الدعم لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، فقد أظهرت بعض الدول العربية حذراً واضحاً. وتبدو العديد من البلدان خارج جامعة الدول العربية، من بينها الولايات المتحدة، وغالبية أعضاء الاتحاد الأوروبي وتركيا على نفس القدر من الحذر فيما يتعلق بالعلاقات مع نظام الأسد.
الأزمة في سوريا لم تنتهِ بعد حيث يصور الأسد نفسه على أنه المنتصر، ويتصرف كما لو كان هو صاحب القرار. لكن هذا ليس الحال في الواقع. ولأن إعادة الإعمار وعودة ملايين اللاجئين قضية مهمة بالنسبة لسوريا، فقد دعا الأسد السوريين في الخارج للعودة، لكن من دون جدوى، ببساطة لأنهم لا يثقون بنظام الأسد ويساورهم الشكك فيما يخبئه لهم مستقبل بلادهم.
لا شيء يسير في اتجاه الحل السياسي. فما لم يكن هناك حل سياسي حقيقي على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254 ودعم حقيقي من جميع الأطراف، فإن التطبيع والسلام والاستقرار جميعها تبدو أحلاماً بعيدة المنال. فلا أحد يريد اندلاع الأزمة مرة أخرى، لكن تلك الاحتمالات تظل واردة.