اكتتابات الجائحة

اكتتابات الجائحة

الاثنين - 16 جمادى الأولى 1443 هـ - 20 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15728]
د. عبد الله الردادي
باحث سعودي متخصص في الإدارة المالية

رغم التقلبات التي شهدها العالم، والتذبذب الكبير للأسواق العالمية أثناء الجائحة، فإن عام 2021 هو الأعلى منذ سنوات في عدد وحجم الطروحات الأولية على مستوى العالم، ولا يقف ذلك على دولة أو منطقة بعينها، بل إن هذه الزيادة شملت الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق الأوسط وآسيا. والمطلع على الأرقام العالمية يرى زيادة مذهلة في عدد الاكتتاب التي شهدها العالم منذ الربع الثالث العام الماضي وحتى الربع الرابع من هذا العام. وذكّرت هذه الفترة المستثمرين بما حدث في التسعينيات الميلادية من موجة طروحات أولية كان من ضمنها شركات كبرى مثل أمازون.
وبحسب «إيرنست آند يانغ»، فقد شهدت الولايات المتحدة في عام 2021 أكثر من 525 طرحاً أولياً، بزيادة قدرها 87 في المائة، جمعت فيها أكثر من 174 مليار دولار، بينما زاد عدد الاكتتابات دول الشرق الأقصى بنحو 28 في المائة لتتعدى 1130 اكتتاباً جمعت فيه أكثر من 170 مليار دولار.
أما دول أوروبا والشرق الأوسط والهند وأفريقيا فقد طرحت أكثر من 720 اكتتاباً، بزيادة أكثر من 150 في المائة، جمعت خلالها 109 مليارات دولار، هذا الرقم شكل زيادة عن السنة السابقة بنحو 210 في المائة.
ومن ناحية القطاعات، فقد تفوق قطاع التقنية على جميع القطاعات الأخرى في عدد الاكتتابات العالمية، فبلغ عدد الطروحات الأولية نحو 610 اكتتابات جمعت 147 مليار دولار منذ الربع الثالث العام الماضي، وجاء قطاع التقنية الطبية ثانياً بنحو 370 اكتتاباً و66 مليار دولار، وقطاع الصناعة بـ310 اكتتابات و63 مليار دولار. وفي العالم العربي، والسعودية تحديداً، جمعت اكتتابات عام 2021 أكثر من 10 مليارات ريال، واتضحت شهية المستثمرين والأفراد لهذه الطروحات من خلال تغطية الاكتتابات التي كان حدها الأدنى تغطية الاكتتاب 3 مرات، وزاد حدها الأعلى على تغطية الاكتتاب 30 مرة.
هذه الأرقام الضخمة توضح تغيراً جاداً في السوق نحو الطروحات الأولية، التي تأثرت بعدد من العوامل، كان أحدها هو الارتداد الاقتصادي العالمي الذي جاء بفعل حملة اللقاحات التي بعثت التفاؤل نحو التوجه الاقتصادي. كما أن العديد من الشركات التي طُرحت استفادت بشكل كبير خلال الجائحة مما رفع من تقييماتها، وهو ما جعل التوقيت مثالياً بالنسبة لها للطرح الأولي، وهذا مبرر جلي لزيادة طروحات الشركات التقنية ومن بعدها الشركات الطبية. كما أن أثر هذين القطاعين الإيجابي أثناء الجائحة أقنع المستثمرين بمستقبلهما المشرق والواعد، وهو ما رفع إقبال المستثمرين عليهما. وقد زاد عدد الشركات الخاصة المُقيّمة بأكثر من مليار دولار (والمعروفة اصطلاحاً باليونيكورن) على 900 شركة، منها 400 شركة في الولايات المتحدة لوحدها، وهي بالعادة الشركات الأكثر قابلية للطرح الأولي.
كما أن توفر السيولة لدى المستثمرين والعامة كان أحد أكبر أسباب الإقبال على هذه الطروحات. وخلال العامين الماضيين، تأثرت قطاعات الطيران والسياحة والمطاعم بسبب الجائحة، وكان لذلك أثر إيجابي في زيادة المدخرات لدى الأفراد. هذا الأثر اتضح جلياً خلال الفترة الماضية في دخول الأفراد للأسواق المالية، وأسواق العملات المشفرة، والرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، وكذلك الطروحات الأولية. كما أن إطلاق عدد من الدول لحزم مساعدات كان له الأثر الإيجابي أيضاً في زيادة المدخرات. هذه الزيادات، ويضاف لها الشعبية الجارفة للطروحات الأولية بما توفره من مكاسب سريعة جعلت تغطية الاكتتابات أمراً أكثر ضماناً للشركات.
وطرح هذه الشركات (والتقنية منها تحديداً) يعطي مجالاً لها للتوسع في أعمالها والانتقال إلى مراحل متقدمة من الوصول إلى العملاء، إلا أن إحدى السلبيات لهذه العمليات هو انخفاض معدل الابتكار فيها بعد الاكتتاب العام. ويعرف رأس المال الخاص بميله إلى أخذ المخاطرة في الابتكارات لما في ذلك من عائد مرتفع في حال نجاح الابتكارات، بينما تميل الشركات المدرجة إلى تقليل معدل الخطر بسبب عدم رغبة المساهمين ومجالس الإدارات في أخذ المخاطرة. إلا أن هذه الظاهرة وبكل الأحوال تعطي الفرصة لمزيد من الشركات الناشئة للظهور وخلق المزيد من الابتكارات.
إن عام 2021 غني بالاكتتابات التي دعمتها الحالة الاقتصادية والتوجهات العالمية في مرحلة الجائحة، وهو دليل على أن الجائحة كما أثرت سلباً على عديد من القطاعات، فقد فتحت مجالاً لقطاعات أخرى، وأن رأس المال يفضل الاستثمار على أن يبقى راكداً. وكما توقع الخبراء في نهاية 2020 أن تستمر الاكتتابات في هذا العام، فهم الآن يتوقعون أن تستمر موجة الاكتتابات في العام القادم. وقد صرح عدد من المسؤولين عن نية شركات عديدة لإدراج أسهمها في الأسواق، ولعل التصريح التنفيذي لمجموعة تداول السعودية خير مثال على ذلك، فالمجموعة تلقت نحو 50 طلب اكتتاب في العام القادم، أكثر من 20 في المائة منها في السوق الرئيسي، وهو دليل على أن السوق المالي العام القادم ما يزال واعداً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو