جاميلي بووي
TT

ما تعنيه حقاً «الحرية البيضاء»؟

من بين المفارقات التي ينطوي عليها التاريخ الأميركي أن كلا فريقي المعارضين والمدافعين عن الهيكل الهرمي الاجتماعي، يطرحان آراءهم وصراعاتهم من منظور الحرية والتحرر.
تحدث المستوطنون المحتملون الذين يطمعون في أراضي السكان الأصليين عن «حقوقهم المؤكدة» في المطالبة بأحقية الاستحواذ على أراضي السكان الأصليين. أما الانفصاليون الجنوبيون، فأكدوا أن معركتهم كانت في جوهرها معركة «لحماية السلام والحرية». وفي القرن العشرين، صور المدافعون عن سياسات الفصل العنصري، الإجراءات الفيدرالية ضد هذه السياسة، باعتبارها هجوماً ضد حرية الأميركيين في فعل ما يحلو لهم.
من جهته، أعلن حاكم ولاية ألاباما جورج والاس في عام 1963 في خطاب تنصيبه الذي أصبح سيئ السمعة اليوم: «دعونا نرتقِ إلى مستوى نداء الدم المحب للحرية الموجود فينا، ونرسل ردنا على الاستبداد الذي يدق أغلاله في الجنوب».
بطبيعة الحال، من المغري والسهل إدانة هؤلاء الناس باعتبارهم مخادعين ومنافقين، ورفض صرخاتهم من أجل الحرية باعتبارها خطابات جوفاء صادرة عن نخب لا تهتم إلا بمصالحها الذاتية. والمؤكد أن ثمة أسباباً وجيهة تدعو لاتخاذ هذا الرأي. إلا أنه في كتاب حديث له، يطلب منا تايلر ستوفال - المؤرخ الفرنسي الحائز جوائز مرموقة، الذي توفي الأسبوع الماضي عن 67 عاماً - أن نأخذ في الاعتبار فكرة أن الهيكل الهرمي الاجتماعي في عيون المدافعين عنه يشكل مسألة حرية وتحرر، وأن نفكر فيما يعنيه ذلك للمفاهيم نفسها.
على وجه الخصوص، يعني هذا أننا يجب أن نفكر في الحرية بطريقتين على الأقل؛ الحرية من الهيمنة وحرية ممارسة الهيمنة. في كتابه «الحرية البيضاء: التاريخ العنصري لفكرة ما»، يوضح ستوفال كيف أن كلا الأمرين مرتبطان بتاريخ العرق والتفكير العرقي. في مجتمعات مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة والجمهورية الفرنسية: «كان الإيمان بالحرية، تحديداً حق الفرد في الحرية، مكوناً رئيسياً في فكرة التفوق الأبيض. وعليه، كلما زاد اللون بياضاً، زادت الحرية».
ولم تجر تسمية هذه «الحرية البيضاء» بهذا الاسم لأنها متأصلة إلى حد ما في الأشخاص المتحدرين من أصل أوروبي، ولكن لأنها اتخذت شكلها في ظل ظروف التسلسل الهرمي العرقي الواضح، عندما أوضح الاستعمار والعبودية من كان حراً ومن ليس كذلك. من وجهة نظر الرجال الذين كانت لهم الهيمنة، كان هذا أساساً قامت عليه رؤيتهم حول ماهية الحرية. ومثلما لاحظ المؤرخ إدموند مورغان، منذ ما يقرب من 50 عاماً في كتابه «العبودية الأميركية، الحرية الأميركية: محنة المستعمرة في فرجينيا»، فإن «وجود الرجال والنساء الذين كانوا، في نظر القانون على الأقل، خاضعين تماماً لإرادة رجال آخرين، أعطى لأصحاب السيطرة فرصة فورية للتعرف على ما يمكن أن يعنيه أن يكونوا تحت رحمة طاغية».
ويرى الكاتب أنه كآيديولوجيا، أن حرية البيض تعني «التحكم في مصير المرء» والحرية في ممارسة الهيمنة والإقصاء.
وأعرب الكاتب عن اعتقاده بأن الأمرين سارا معاً خلال العصر الحديث، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. داخل الولايات المتحدة خلال أوائل القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، أصبح الحق في التصويت أكثر تداخلاً مع مسألة العرق مما كان عليه. وكتب ستوفال: «لم يقتصر الأمر على تمديد نطاق حق التصويت ليشمل جميع الرجال البيض تقريباً عشية الحرب الأهلية، وبالتالي كسر القيود التقليدية القائمة على الملكية والطبقة، وإنما في الوقت ذاته جرى تشديد القيود المفروضة على أولئك الذين لم يكونوا من الرجال البيض». وبذلك يتضح أن السنوات الأولى من عمر الولايات المتحدة كدولة حرة ومستقلة شهدت تحديد الحق في التصويت أكثر فأكثر بالاعتماد على مصطلحات عنصرية.
بعد الحرب الأهلية، عندما بدأت الليبرالية مسيرتها عبر النظام العالمي، أصبحت الفروق العنصرية داخل الأنظمة السياسية أكثر وضوحاً، وليس أقل. وأكد ستوفال أن «تجسد ذلك في إقرار حق التصويت للرجال البيض البشرة، في وقت متزامن مع حرمان السود في الولايات المتحدة من هذا الحق، مثلما حدث على نحو متزامن في بريطانيا وفرنسا». وأضاف: «ومع تحول الحرية إلى عنصر محوري على نحو متزايد للهوية الذكورية البيضاء داخل أوروبا والولايات المتحدة، ذلك أنها أصبحت بشكل متزايد لا تنتمي إلى النخب فحسب، وإنما لجماهير البيض، يبدو أنه كان يجب حرمان أولئك الذين ليسوا من البيض».
وبالطبع، كانت هناك دوماً رؤى أخرى للحرية معارضة لهذه الرؤية ومنفصلة عن التسلسل الهرمي العنصري. وخلال القرن العشرين، على نحو خاص، شكلت الحركات المناهضة للاستعمار داخل الإمبراطوريات الأوروبية والنضال من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة ما يسميه ستوفال «تحدياً مباشراً لعنصرية الحرية».
وشرح ستوفال أنه إذا كانت «الحرية والبشرة البيضاء تعززان بعضهما بعضاً» عبر التاريخ الغربي، وإذا كانت «الفروق العنصرية قد لعبت دوراً أساسياً في المفاهيم الحديثة للحرية»، فإن مهمة كل أولئك الذين يسعون إلى حرية أكثر شمولية ومساواة تدور حول تحدي التسلسلات الهرمية التي شكلت «الحرية» كما نفهمها.
ما يجعل عمل ستوفال ذا قيمة كبيرة في هذه اللحظة، وما يجعل كذلك وفاته خسارة فادحة، أن دراسته لـ«حرية البيض» تساعد في إلقاء الضوء على رهانات الحاضر والصراع المستمر حول معنى الديمقراطية الأميركية. إنه صراع يخوضه البعض كي يكونوا أحراراً (أو على الأقل أكثر حرية) من الهيمنة والترتيب الهرمي، بينما يراه آخرون سعياً ليكونوا أحراراً في ممارسة الهيمنة على أساس تلك الترتيبات الهرمية.
في أبريل (نيسان) 1864، عندما تحرك مجلس الشيوخ للموافقة على التعديل الثالث عشر للدستور الذي يلغي العبودية، تحدث أبراهام لينكولن أمام حشد في بالتيمور حول مسألة الحرية والتحرر والديمقراطية. قال: «نحن جميعاً نعلن الحرية، ولكن باستخدام الكلمة نفسها لا نعني جميعنا الشيء نفسه». وتابع قائلاً: «قد تعني كلمة الحرية أن يفعل كل رجل ما يشاء مع نفسه ونتاج عمله، بينما قد تعني الكلمة نفسها لبعض الرجال أن يفعلوا ما يحلو لهم مع رجال آخرين، ونتاج عمل الرجال الآخرين».
ورغم أن ظروف اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن ظروف حقبة الحرب الأهلية، فإن استمرار تردد أصداء كلمات لينكولن حتى يومنا هذا، يعود إلى أن الشكل الأساسي للصراع لا يزال كما هو إلى حد كبير.
الخلاصة أننا جميعاً نرغب في الحرية، لكن المسألة هنا ما يود كل واحد منا فعله لنفسه وللآخرين من خلال هذه الحرية.

* خدمة «نيويورك تايمز»