الفراشة والإعصار...!

الفراشة والإعصار...!

الأربعاء - 4 جمادى الأولى 1443 هـ - 08 ديسمبر 2021 مـ رقم العدد [15716]
ميرزا الخويلدي
كاتب و صحفي سعودي

«هل رفرفة أجنحة الفراشة في البرازيل يمكن أن تسبب إعصاراً في تكساس؟»؛ إذا كان يمكن لفيروس تافه تاه عن صاحبه في سوق للحيوانات بمدينة ووهان الصينية أن يفتك بالبشرية ويدخل الكرة الأرضية برمتها العناية الفائقة، ويقيد حركة سكانها، ويشل اقتصادها في زمن لا يعلم مداه إلا الله...؟!
سؤال الفراشة، طرحه إدوارد لورنز عالم الرياضيات وأستاذ الأرصاد الجوية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أثناء خطابه أمام مؤتمر الرابطة الأميركية لتقدم العلوم، في عام 1972. ومنذ ذلك الوقت بدت نظرية «تأثير الفراشة» تأخذ موقعها في التفكير العلمي. خلاصة هذه الفكرة التي جرى اختبارها ضمن برنامج حسابي لمحاكاة أحوال الطقس: إن التغييرات الصغيرة قد تكون لها عواقب كبيرة! ولا يمكن الاستهانة بها.
بعد هذه القصة بأعوام، وقبل وفاته عن تسعين عاماً، ألقى لورنز محاضرة في عام 2008، وباغته سؤال لأحد المستمعين: هل حقاً يمكن للفراشة أن تتسبب في إعصار...؟!، فأجاب: «حتى اليوم، لست متأكداً من الإجابة الصحيحة»، لكنه عبر سلسلة من المقالات والخطابات ظل يجادل في أن الفراشة لديها القدرة على إحداث تغييرات صغيرة، ولكنها مؤثرة.
ورغم أنها لا تستطيع أن تحدث إعصاراً، بالشكل الذي نعرفه، لكنها قادرة على أن تغير مسار ذلك الإعصار!
حين ترفرف الفراشة بأجنحتها الصغيرة، فهي تحدث حركة في الهواء، ثم تغييراً ضئيلاً ومتدرجاً في الضغط الجوي، وحين تتراكم الفراشات وتحتشد قواها تصبح أجنحتها محركات لتيارات الهواء، يمكن لتلك التيارات أن تتحول إلى إعصار وتحدث دماراً هائلاً في مكان من العالم.
«الأشياء العظيمة تتم من خلال سلسلة من الأشياء الصغيرة تقوم بتجميعها»، كما يقول فان غوخ. والمسمار الذي يثبت «حدوة الحصان» أو حذاءه المعدني، يمكن أن يتسبب بهزيمة جيش وانهيار إمبراطورية ضخمة؛ من يدري؟، هذه الصورة يرسمها بنجامين فرانكلين (1706 – 1790)، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، قائلاً: «الأسباب الصغيرة لها غالباً نتائج كبيرة، فقدان المسمار أضاع حدوة الحصان، وفقدان الحدوة أضاع الحصان، وفقدان الحصان أضاع الفارس». في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، انهار سد مأرب، وقيل إن الفئران نهشت أساساته، وأحدث ذلك سيلاً عرماً حوّل المدينة المترفة بالنعيم إلى صحراء قاحلة، وحول أهلها الأثرياء إلى مشردين... أثر هذا الانهيار كان إعادة تشكيل الخارطة السكانية لعرب الجزيرة، وبداية عصر الهجرات، وظهور مستوطنات بشرية جديدة.
الأشياء التي تبدو تافهة، يمكن أن تفسد العالم. ثمة مترجمة أميركية اسمها كاترين شاندلر، تقول: «الذين يقولون لك لا تدع الأشياء الصغيرة تزعجك لم يجربوا النوم مع ناموسة في حجرة واحدة»، نعرف اليوم ماذا فعله فيروس «كورونا» الذي نشأ في مدينة بالصين على العالم جميعاً... هو دليل على هذه الانتقال السريع الذي يحدث الدمار أو يصنع التغيير.
الأفكار كذلك، يمكنها أن تخلق موجاً هائلاً وتصنع التغيير... ربما بعد عشرات أو مئات السنين... فـ«للأفكار أجنحة» كما يقول ابن رشد. والأفكار لا تموت. والذي تغير هو وسائط النقل: الثورة الرقمية جعلت سرعة الانتقال مذهلة، وأثرها مدهشاً... فهل ثمة من يجادل بعد ذلك؛ بأن الأشياء والأعمال والحركات والمبادرات والمقالات والأشعار التي تبدو في أعيننا صغيرة وبسيطة وعديمة الأثر، يمكنها فعلاً أن تصنع المعجزات يوماً وتحدث الفارق.
يقول المتنبي:
كل الحوادثِ مبدأها من النظر
ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَرِرِ
كْم نظرة فعلتْ في قلب صاحبها
فِعْلَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وتـرِ


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو