لم يسبق لي أن اهتممت كثيراً بمناقشات الإيمان مقابل العلم؛ فهذه الموضوعات ببساطة لم تجد لها صدى في نفسي، لأنني مؤمنة بأن الله قد خلق العالم، لكنني لم أشعر مطلقاً بالحاجة إلى تحديد تفاصيل أو طريقة الخلق.
قضيت قرابة عقد من الزمان في خدمة الحرم الجامعي بين العلماء الذين كانوا قادة في مجالاتهم والذين سعوا للحصول على علاج للسرطان ودرسوا الثقوب السوداء، وكانوا أيضاً شغوفين بإيمانهم. لقد رأوا العلم كأداة، وكهبة من الله سمحت لهم بمساعدة الناس واستكشاف عجائب العالم المجيدة؛ لذلك تجاهلت في الغالب المحادثات الثقافية الأكبر التي تضع العلم والإيمان في مواجهة بعضهما البعض.
ثم جاء (كوفيد - 19) حيث لم يكن من الصعب علي أن أثق بالمجتمع الطبي وتوصياتهم خلال فترة تفشي الوباء، لأنني شخصياً أعرف باحثي الطب الحيوي الذين أثق بهم. وصليت برفقة أحد الأطباء لكي يرفع الله هذا الوباء عنا، وطلبت من الله أن يساعد العلماء في أبحاثهم عن اللقاحات، ولم نشهد أبداً تضارباً بين عمل الله وجهود العلم.
في الواقع، كشف العامان الماضيان كيف أن خطاب العلم مقابل الدين ليس نقاشاً آيديولوجياً مجرداً ولكنه تقسيم زائف له عواقبه الوخيمة في العالم الحقيقي. فبحسب دراسة أجراها «مركز بيو» في سبتمبر (أيلول)، فإن فئة الإنجيليين البيض هي المجموعة الدينية الأقل احتمالاً للتلقيح (نحو 57 في المائة تلقوا جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد). وهناك بالتأكيد أسباب سياسية لذلك، إذ إن كثيراً من الإنجيليين الأميركيين البيض يميلون إلى الجمهوريين، ومن غير المرجح أن يحصل الجمهوريون عموماً على التطعيم ضد «كوفيد». لكن لا يمكننا أيضاً التغاضي عن السياق الأوسع لانعدام الثقة بين الجماعات الدينية الإنجيلية والمجتمع العلمي.
ولفهم هذا التقسيم الثقافي بشكل أفضل، تحدثت إلى ديبورا هارسما، عالمة الفيزياء الفلكية، وهي مسيحية معروفة ترأس منظمة «بيوللوغوز» المعنية باستكشاف العلاقة بين الإيمان والعلم، وقد ذكرت أنه في الفكر الشائع، غالباً ما يتم تقسيم العلماء والمسيحيين إلى «فئتين مختلفتين».
لم تكن الأمور على هذا النحو دائماً. ففي بداية الثورة العلمية، كان العديد من العلماء مدفوعين بمعتقداتهم عن الله: كان نيكولاس كوبرنيكوس، وإسحاق نيوتن، وروبرت بويل وغيرهم من عمالقة العلم الحديث من المؤمنين بالله. ولكن بعد مناقشات رفيعة المستوى حول نظرية التطور لداروين في أواخر القرن التاسع عشر، بدأ الانقسام الملحوظ في الظهور بين الدين والعلم. في مشهد محاكمة «سكوبس مونكي» في عام 1925 التي أثارت قضية ما إذا كانت الدولة يمكن أن تحظر تدريس نظرية النشوء والتطور في المدارس (ولكن تم تنظيمها أيضاً كخطوة دعائية من قبل قادة البلدة في دايتون، تينيسي)، جرى وضع المعتقدات المسيحية والعلم كأفكار غير متوافقة.
كتب المدعي العام ويليام جينينغز برايان يقول: «من الأفضل أن تثق بكتاب «صخرة العصر» الديني، «من أن تعلم عمر الصخرة».
أخبرتني هارسما بأن صعود حركة الخلق في الستينات، بقيادة المهندس هنري موريس، قد زاد الشكوك بين بعض الكنائس الإنجيلية والعلماء. واستمر الخلاف في النمو بسبب الصراعات الأخلاقية الحيوية حول قضايا مثل أبحاث الخلايا الجذعية والقتل الرحيم، والأكثر من ذلك بسبب الافتراض الثقافي الكامن بأن الإيمان والحقيقة يتعارضان مع بعضهما. وعندما عين الرئيس باراك أوباما فرانسيس كولينز، وهو مسيحي إنجيلي ومؤسس منظمة بيلولوغوز كرئيس للمعاهد الوطنية للصحة في عام 2009، تساءل البعض عما إذا كان يجب أن تكون درجة إيمان كولينز الديني سبباً لاستبعاده من منصبه.
أظهرت دراسة أجرتها شركة «بارنا»، وهي شركة أبحاث واستطلاعات مسيحية عام 2018، أن المراهقين والشباب الصغار يرون تضارباً بين العلم والإيمان، فيما يرى الجيل الأكبر سناً أن الإيمان والعلم مكملان.
سألت هارسما على من يقع اللوم: هل يقع اللوم في تشويه سمعة العلم على المجتمعات الدينية، أم أن المجتمع العلمي هو الذي أخطأ بتشويه صورة العقيدة؟ ضحكت وقالت إن اللوم هنا كثير على أي حال. ففي بعض الأحيان، سعت أقلية صاخبة من العلماء البارزين إلى تهميش المجتمعات الدينية. واستشهدت هارسما بتغريدة كتبها نيل ديغراس تايسون، عالم الفيزياء الفلكية البارز، صبيحة عيد الميلاد 2014 يقول: «في مثل هذا اليوم منذ فترة طويلة، ولد طفل واستطاع تغيير العالم عندما بلغ سن الثلاثين، عيد ميلاد سعيد يا إسحاق نيوتن». كانت تلك رسالة ذكية، لكن بدا أنه يسخر. في الحقيقة، تثير تلك الأنواع من الرسائل عداءً لا داعي له. فإذا كانت المحادثة الثقافية تتطلب من الناس الاختيار بين دينهم والعلم، فسيختار غالبيتهم الإيمان، لكن ليس علينا أن نطلب من الناس الاختيار، فهذا اختيار خاطئ.
في الوقت نفسه، قالت هارسما إن هناك بعض المسيحيين الذين يقدمون الإيمان على أنه مناقض للدليل، وقالت أيضاً إن الخطاب الساخن المناهض للعلم من قبل أقلية من المسيحيين على الإنترنت، يشجع العلماء على صرف النظر عن المؤمنين بصفة عامة.
هنا سألت هارسما: ما هو طريق المصالحة؟ إذا كان هذا الانقسام بين الإيمان والعلم هو حقاً انقسام خاطئ، فكيف يمكننا تطهير خطابنا الثقافي وخيالنا الأوسع؟
سمعت صوتها يرتفع بشغف، فهذا هو عمل حياتها وعمل منظمتها. وعرضت خطوات عملية قائلة: يجب أن تكون الرسالة الموجهة إلى المجتمعات الدينية هي «لا تثقوا بالعلم بدلاً من الله، بل يجب أن تثقوا بأن العلم جاء هدية من الله».
في المقابل، يمكن أن يكون المجتمع العلمي أصدق بشأن حدود الانضباط، حيث قالت هارسما: «أحياناً يقول الناس أشياء مثل: (إذا قبل الجميع العلم فقط، فسيكون العالم رائعاً)». لكنها تشير إلى أن العلم لا يحل كل شيء وأن المجتمعات العلمية يجب أن «تعترف بقيمة الدين كنهج للإجابة عن أكبر أسئلة الحياة».
في النهاية، قالت هارسما، إن هاتين الطائفتين تشتركان في هدف: البحث عن الحقيقة. «يمكنهم أن يجدوا أرضية مشتركة في رغبتهم في معرفة ما هو حقيقي». هنا سألت هارسما كيف يلتقي الإيمان والعلم في عملها؟ بدا صوتها مفعماً بالحيوية وقالت بصفتها أستاذة في علم الفلك، إنها ترى حقاً، أن «السماوات تعلن مجد الله، والسماء من فوق تعلن عمل يديه». مضيفة أن هذا ما يدرسه العلماء، يدرسون «عمل الله ذاته».
* خدمة «نيويورك تايمز»
