توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

أهل الاتباع ومشكلة الابتداع

استمع إلى المقالة

يبدو أن جدل العلاقة بين العقل والنص، قد ذهب في مسارات تشتت الفكرة وتعوق رؤية الهدف. وأبرزها هو المسار الذي يصور الجدل كدعوة للتخلي عن النص، بل هجر الدين كلياً، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة.

شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين، بأن العلم الحديث قادر على حل مشكلات العالم، ولذا لم تعد ثمة حاجة للدين أو وظيفة منتجة خارج دور العبادة.

أما في العالم العربي، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لإعادة الاعتبار للعقل والعلم، لا سيما دورهما في التشريع، يستهدف معظمها إحياء الروح الأصيلة للدين، ويشارك فيها إصلاحيون يسعون لنهضة المجتمع، ويرون أن قراءة جديدة للدين، تحترم العلم والعقل، أقرب إلى روحه وأكثر تعبيراً عن جوهره، من المنهج المتوارث في مدارس العلوم الشرعية، وهي أقرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان.

من ضعف الرأي أن أتخيل أنا أو غيري، بأن كل نقاش حول مكانة العقل ودوره في التشريع، يستهدف إقصاء الدين أو النص أو الاستغناء عنهما. الواقع أن للدين دوراً في حياة البشر وأن للعلم دوراً آخر. وهما – من هذا المنظور – يشغلان مجالين مختلفين. لكنهما بمقتضى هذه الوظيفة، يتداخلان في بعض الأدوار والنطاقات، بل أستطيع القول إنهما يعملان بالتناوب في النطاق نفسه أحياناً. ومن ذلك على سبيل المثال أن العلم يتدخل في تفسير تعاليم الدين وقيمه، ومن خلال هذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تطبيقاته. كما أن الدين يتدخل في تحديد أخلاقيات البحث العلمي، وقد يحجب تطبيقاته التي تعارض بشكل مباشر، ما يريد إقامته أو صونه من مصالح للإنسان والطبيعة. إن الجدل القائم حالياً حول الجوانب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية، مثال على هذا.

يمكن للدين أن يلعب دوراً واسعاً وفعالاً، في توجيه الأخلاقيات والأعراف الناظمة لحياة البشر، إذا استوعب التنوع الواسع جداً لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين، ناتج – كما أعتقد – من الفجوة الواسعة بين «زمن» التعاليم الدينية وزمن العلم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم، إلى أزمنة بعيدة في عمق التاريخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع، النظر في عامل الزمن بوصفه متغيراً يؤثر جوهرياً في موضوع الحكم ومفهومه، رغم أنهم يفاخرون بقبولهم لدخالة الزمان والمكان في تعيين الأحكام. نعلم أن هذه أمنية وليست التزاماً، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون إلى قول فقيه قديم أو رواية قديمة، قيلت في سياق مختلف، لتخدم ظرفاً قائماً، يختلف - بالضرورة - عن ظرف اليوم الذي سيتغير غداً أو بعد غد.

واقع الأمر أن هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما أن هناك من يرفض العلم من حيث المبدأ. رغم أنك لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الخالق، أو للتورع عن ظلم الناس أو تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض العلم، لأنه يفتح للبشر طريق القوة والثروة والصحة والتقدم.

في اعتقادي أن الرافضين لدور العلم/العقل في التشريع، يخشون من دوره الأوسع في الحياة الدينية.

بيان ذلك أن هؤلاء عدّوا العلم عامل تفكيك للقيم المستقرة، لأنه يفتح الأذهان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهم يرون أن الدين منهج استمرار على إرث الآباء والأجداد، فهم يعرّفون أنفسهم بأهل «اتباع» لا أهل «ابتداع». والمقصود كما هو واضح التمييز بين الاستمرارية على الموروث أو تطوير مناهج جديدة، فكأن الدين خزانة الآباء أو متحف القدماء.

أرى أنه لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة، من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جامدة توشك أن تموت. طريق العلم يبدأ بالشك والسؤال، وهذا هو السبب في المعضلة التي نجادل فيها اليوم.