معضلة كولين باول

معضلة كولين باول

الأربعاء - 21 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 27 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15674]

منذ 10 سنوات داخل أحد المنازل القريبة من البيت الأبيض، كنت ضابطاً بحرياً صغير السن ووقفت أنصت إلى كولين باول وكان يتحدث عن السناجب. وعاد بذاكرته إلى اجتماع داخل المكتب البيضاوي جمعه بالرئيس رونالد ريغان عام 1988 سعى في أثنائه للحصول على نصيحة الرئيس بخصوص قضية تخص العمل. وفجأة، قاطعه الرئيس الذي بدت عليه علامات عدم الاهتمام ليخبره أن السناجب في الحديقة الوردية تلتهم البندق الذي وضعه لها الرئيس في وقت سابق من صباح اليوم.
ويبدو أن باول أعجبته القصة الطريفة وأورد هذا الموقف في كتاب ألفه لاحقاً حول القيادة، معتبراً ذلك درساً في نقل السلطات إلى المسؤولين الأدنى رتبة في هرم القيادة وفي مسألة تمكين أفراد فريق العمل. وفسر باول اللامبالاة التي أبداها ريغان بأنها تحمل رسالة له مفادها: «هذه مشكلة عليك أنت إيجاد حل لها، وليس أنا».
في الواقع، أكثر ما أتذكره عن هذا الموقف أن الرئيس لم يبد لي حكيماً في القصةـ وإنما كان السبب الوحيد الذي جعل مثل هذا الموقف جديراً بسرده لاحقاً المعنى الذي وجده باول فيه.
توفي باول مؤخراً بعد حياة كثيراً ما حمل خلالها لقب أول شخص داكن البشرة يتقلد مناصب مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة الأركان المشتركة ووزير الخارجية. ومع ذلك، فإن الأثر الأكبر الذي يتركه للأجيال القادمة يتجاوز لقب الأول في مجالات مختلفة، ويرتبط بقدرته على تشريح هذه الأشياء على نحو يجعلنا قادرين على معرفة المزيد عن أميركا وما هي عليه وما تصبح عليه.
ورغم إحرازه إنجازات تاريخية، ثمة رسالة تحذير وراء مسيرته إزاء كيف يمكن للمؤسسات استغلال المواطنين المثاليين لخدمة أغراضها الخاصة، وكذلك التداعيات المدمرة لإعطاء الأولوية للولاء الحزبي على المبادئ وأخطار الارتباط بقضايا عنصرية لخدمة أغراض سياسية.
اللافت أن فترة عمل باول داخل المؤسسة العسكرية، والتي امتدت منذ حقبة حرب فيتنام التي كان اعتمدت القوات العسكرية خلالها على التجنيد الإجباري حتى ظهور قوات عسكرية مؤلفة بالكامل من عناصر متطوعة نجحت في الاستمرار في البقاء بينما انهار الاتحاد السوفياتي، وسرعان ما تفوقت بقوة على القوات العراقية أثناء حرب الخليج. وأصبح باول الوجه المعبر عن هذه الحقبة الجديدة من القوة الأميركية والثقة بالقوات المسلحة.
وخلال التسعينات، كانت إنجازات باول مصدر فخر لكثير من الأميركيين أصحاب البشرة الداكنة.
في الواقع، كان انتماؤه إلى الحزب الجمهوري أمراً شاذاً في محيط الأميركيين أصحاب البشرة الداكنة، لكن سياساته لم تكن كذلك، ذلك أن تقديسه للتعليم وعمله الدؤوب ورغبته في تقرير المصير لطالما شكلت جميعها عناصر مميزة لتوجهات هؤلاءالأميركيين.
ودفعته سمعته الرفيعة نهاية الأمر إلى تقلد مناصب تحول في إطارها إلى صورة معبرة عن التحديات الراهنة أمام سلامة الديمقراطية الأميركية. أما المثال الأبرز على ذلك فيكمن في الخطاب الذي ألقاه أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عام 2003 واستعرض خلاله حجة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل.
وهنا، جرى دفع باول كحائط صد لتفادي هجمات منتقدي الحرب، ذلك أنه كيف يمكن لأحد أن يتهم الولايات المتحدة بالتحرك انطلاقاً من كراهية عنصرية أو يشكك في التزامها بالحرية في وقت يقف باول، ابن ابوين مهاجرين من جامايكا والذي يعد تجسيداً للحلم الأميركي، عند قمة السلطة؟
ومن الأسرار التي كانت معروفة لدى الجميع أن باول لم يتفق مع نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد حول العراق. من جهته، رغب باول في التركيز على تنظيم «القاعدة» في أفغانستان والعمل في إطار تحالف دولي. كما حذر من أن الإطاحة بصدام ستكون أسهل كثيراً عن الحفاظ على النظام بعد إسقاطه. ومع ذلك، وضع باول سمعته على المحك من أجل الإدارة وما اعتبره مصلحة وطنية.
وبعدما اتضح أن العراق لا يملك أياً من مثل هذه الأسلحة، تضررت بشدة سمعة باول التي ظل يعكف على بنائها طوال أربعة عقود. ورحل باول عن الإدارة، ولم يلق ولاؤه وإخلاصه التقدير اللائق، وبدا واضحاً أن «المصالح الوطنية» عاملته كمجرد أداة لخدمة أغراضها.
عام 2008، عندما ترشح باراك أوباما للرئاسة في مواجهة السيناتور جون ماكين، الرجل العسكري المبجل، تساءل كثير من الأميركيين فيما بينهم حول أي من الهويتين ستصيغ موقف باول: عرقه أم حزبه ومهنته. وفي النهاية، لم يلق قراره بتأييد أوباما، والذي جرى التعامل معه بسطحية بالغة باعتباره تفضيلا للعرق على الآيديولوجية، قبولاً داخل الحزب الجمهوري، وتعرض للنبذ داخل الحزب.
وتبدو اللحظات البارزة في مسيرة باول حية في الأذهان حتى اليوم. على سبيل المثال، حملت ردود الجنرالات العسكريين المتقاعدين من إدارة ترمب على تساؤلات حول السبب وراء استمرارهم في تنفيذ أوامر رئيس رأوا أنه ليس أهلاً للمنصب الذي يتقلده، أصداء من المبررات التي ساقها باول لتبرير الدور الذي لعبه خلال الفترة السابقة لاندلاع حرب العراق.
والملاحظ أن أهمية الولاء للحزب، بدلاً عن مجموعة من المواقف الآيديولوجية زادت كثيراً عن المرة الأولى التي واجه خلالها باول صيحات الاستنكار داخل الحزب الجمهوري عام 1996.
ربما استخلاص هذه النتائج من حياة باول يشبه موقفه من ملحوظة ريغان بخصوص السناجب أي استخراج معنى أعمق عما احتوته الأحداث الفعلية على أرض الواقع، لكن بالنظر إلى ديمقراطيتنا التي تقف على حافة الهاوية، ينبغي أن ندرك أن الحياة كثيراً ما تجبرنا على الاختيار ما بين فعل الصواب وفعل الأمر المريح من أجل أهداف صائبة.
* قائد متقاعد
من القوات البحرية الأميركية
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو