السؤال الخاطئ: متى يأتي لوثر مسلم؟

السؤال الخاطئ: متى يأتي لوثر مسلم؟

الثلاثاء - 20 شهر ربيع الأول 1443 هـ - 26 أكتوبر 2021 مـ رقم العدد [15673]
ممدوح المهيني
المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث»

نتساءل دائماً كيف وصلت أوروبا وأميركا لهذا المستوى من العقلانية والتسامح الديني. عشرات الأديان والطوائف والعقائد متعايشة بسلام. في جامعات باريس ولندن ونيويورك العريقة نقاشات مفتوحة عن الأديان وتاريخها، وفي مكتباتها العامرة رفوف طويلة من كتب ومجلات عن الفلسفة وعلم النفس والأنثروبولوجيا التي تدرس مراحل تطور البشرية وعقل الإنسان من آلاف السنوات.
واحد من أسباب ازدهار الغرب وتقدمه يعود لراهب ألماني واحد اسمه مارتن لوثر، ولد قبل أكثر من 500 عام، وتستعاد هذه الأيام أفكاره التي غيرت وجه أوروبا والعالم إلى الأبد. تَذكر قصة هذا الرجل الذي اختار الرهبنة بعد أن أصيب بصاعقة رعدية مهم بسبب الدروس التي يمكن الاستفادة منها لدى عالمنا الذي يعاني من ثقافة التعصب والكراهية التي أرهقته وفتكت به.
أقدم مارتن لوثر على ثلاث خطوات كبيرة؛ أولاها أنه نقض فكرة أن الخلاص يجب أن يتم عبر تعذيب الذات بسبب الذنوب، لذا يؤدي الفرد فروضاً وطقوساً شاقة وطويلة. لوثر نفسه عانى من الألم النفسي وكان مهووساً بتطهير نفسه الملوثة من الذنوب التي لا تمحى بسهولة ما جعله حينها يقدم اعترافات تصل لست ساعات متواصلة خشية من المصير الأخروي المظلم الذي ينتظره.
بعد تعمق في قراءة الإنجيل اكتشف أن هذه الفكرة المرهقة غير صحيحة. استبدل بها فكرة بسيطة ولكن شديدة الأهمية، وهي أن الخلاص والنجاة نعمة من الله يسبغها على عباده. يبارك الله ويرحم البشر بدون أن يرهقوا أنفسهم ويطهروها من الآثام المتخيلة. حررت هذه الفكرة الأرواح من ثقل الإحساس المستمر بالذنب وغيرت النظرة الكئيبة للحياة وربطت الإنسان بالله مباشرة من دون وسطاء ومترجمين.
الأفق الداكن والسوداوي للحياة تفتح وأشرق وأصبح الناس يفكرون في الحياة، وكيف يسعدون بها بدل التفكير في الموت والجحيم.
ومن هنا تقريباً نبعت قيم العمل البروتستانتية الصارمة. لا يمكن لأناس يفكرون في العذاب والموت أن ينشغلوا بالعمل أو الاختراع... ما الفائدة من كل هذا إذا كان المصير مأساوياً؟
الخطوة الثانية المهمة التي قام بها لوثر هي ترجمة الإنجيل من اللاتينية التي لا يقرأها إلا رجال الدين المتخصصون إلى الألمانية. خطوة ثورية في وقتها مكنت الناس من قراءة كتابهم المقدس لأول مرة بأنفسهم بدون وسيط ومفسر. سطوة القساوسة تزعزعت من حينها وأخذت بالانهيار تدريجياً حتى اختفت تماماً.
الخطوة الثالثة هي تحديه لسلطة الكنيسة البابوية بشكل علني وصريح عندما علق على باب كنيسة فتنبيرغ 95 احتجاجاً على فسادها الذي شهده عندما زار روما قبل ذلك اليوم بسنوات، ورآها غاطسة بالبهرجة والأبهة، فيما الناس حولها فقراء ومرضى ومعوزون. لحسن حظه انتشرت هذه الاحتجاجات بشكل سريع بسبب اختراع جديد اسمه الآلة الطابعة المبتكرة على يد غوتنبيرغ التي تشبه بمعايير اليوم «فيسبوك» و«تويتر». انتشرت أفكاره بسرعة واكتسبت أتباعاً ومناصرين وتحولت فيما بعد للمذهب البروتستانتي الذي نعرفه اليوم، والذي خرج عن وصاية روما. كان ذلك في تاريخ 31 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1517. وهو اليوم الذي انشطر فيه الدين المسيحي إلى الأبد.
أبرز احتجاجات لوثر الساخطة كانت على صكوك الغفران الذي بدأت الكنيسة البابوية الفاسدة ببيعها مقابل المال. أرسلت القساوسة والمبشرين في أرجاء أوروبا من أجل جمع هذه الأموال مقابل أن يتم تخفيف العذاب على المذنبين في المطهر، مكان الألم والقصاص في العقيدة الكاثوليكية. ألغى لوثر هذه الفكرة مبرراً أن الخلاص يُمنح من الله وحده وبالمجان وليس من البشر.
من هذه الخطوات تشكلت فكرة الإصلاح الديني. العلاقة مع الله فردية بدون وسطاء، وبإمكان البشر قراءة وتفسير النصوص الدينية بأنفسهم بدون طبقة متشددة وفاسدة من الكهنة، والله وحده يمنح رحمته ونعمته بدون عذاب وبلا مقابل مالي. نشبت بعدها بعقود الحروب الدينية بين الطائفة الأصلية والمنشقة، وكان من أشهرها حرب الثلاثين عاماً بين 1618 و1648. ولكن أفكار لوثر لم تتراجع بل ازدهرت وتناسلت لوثريات جديدة كان هو نفسه يعارض بعضها ويرى أنها تحررت أكثر مما يجب. وبسبب أفكاره أيضاً اندلعت ثورات اجتماعية مثل ثورة الفلاحين في عام 1524 التي كانت ردة فعل غاضبة على أوضاعهم المعيشية السيئة، ولكنها سُحقت بعد أن قُتل منهم أكثر من 100 ألف (لوثر وقف ضدها).
لوثر كان شخصية كاريزماتية جريئة، وعاشقة للجدل ومفعمة بالنشاط، وهذه سمات شخصية كان لها دور أيضاً في إحداث ثورته الفكرية والدينية التاريخية. وهذا يدل على أن المعايير الشخصية تلعب دوراً كبيراً في الأحداث التاريخية الكبرى.
الإصلاح الديني كان بداية النهضة الأوروبية وبداية التخلص من التعصب الديني، وأعقبته حقب فكرية مهمة مثل التنوير والأنوار والحداثة وحتى هذا اليوم. أشخاص وأسباب كثيرة أدت إلى هذه النهضة الأوروبية والأميركية التي تُدهشنا اليوم ولا شك أنه كان هو أحد أبطالها.
ولكن هناك فيما يخص عالمنا تطرح مثل هذه الأسئلة: «أين هو لوثر المسلم؟ ومتى يأتي لوثر المسلم؟»، ولكنها في الحقيقة أسئلة خاطئة. فالتاريخ والحاضر الإسلامي مليئان بالعلماء والمفكرين والفلاسفة المسلمين وغير المسلمين من قدموا تفسيرات عقلانية وروحانية للدين الإسلامي تحافظ على جوهره النقي وتربطه بعالم اليوم، وتنزع عنه كل أقنعة التعصب التي وضعها عليه المتعصبون. هناك العشرات وربما المئات من «لوثر» المسلم.
في عهد الخليفة المأمون ازدهرت الترجمات وساد الخطاب العقلاني وانتعش علم الكلام والفلسفة. تدار رسمياً حلقات النقاش والجدل بين المختلفين فكرياً ودينياً بدون خوف أو توجس. وبسبب هذه الحرية الفكرية والانفتاح الثقافي على العالم ازدهرت الترجمات والعلم والثقافة وظهر فلاسفة كبار ما زلنا نقدرهم مثل التوحيدي ومسكويه والمعري وإخوان الصفا وغيرهم. ولكن نعرف أن هذه الروح التنويرية انطفأت والعصر الذهبي تلاشى ودخلنا في الجمود الفكري في الوقت نفسه الذي بدأت فيه أوروبا بالخروج من قرونها الوسطى. من هناك انطلقت لتنجز الثورات العلمية والصناعية والفكرية والتكنولوجية التي جعلتها تتسيد العالم حتى هذا اليوم.
إذن سؤال أين لوثر المسلم؟ خاطئ، والسؤال الصحيح أين فريدريك الثاني ملك بروسيا (الملقب بالمستبد المستنير) الذي احتضن الفلاسفة الكبار في أوروبا مثل كانط وفولتير، وفتح لهم أجواء الحرية في الفكر والبحث العلمي حتى انتشرت أفكارهم، وانتصرت على المتعصبين بعد صراعات مريرة. أو أين كاترين الثانية التي قامت بالشيء ذاته، حيث أسهمت باحتضان الفكر والثقافة الفلسفية والعقلانية ونشرها. بدون هذه الحماية والدعم منهما من المرجح أننا لم نكن لنسمع عن هؤلاء المفكرين ولا عن لوثر قبلهم.
النهضة الفكرية والعلمية لا يمكن أن تزدهر في الفراغ، ولكن لأسباب كثيرة، أبرزها زعماء وقادة سياسيون مستنيرون مؤمنون بالمستقبل، يحمونها حتى تزدهر وتكبر وتنتشر في عقول الكبار والصغار مرسخة التفكير العقلاني والعلمي وقيم التسامح والتحضر، ومحطمة التفكير المتشدد مرة واحدة وللأبد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو