قصة مجلة «المسلمون» مع جيل كيبل ومع الإسلاميين

قصة مجلة «المسلمون» مع جيل كيبل ومع الإسلاميين

الأحد - 28 محرم 1443 هـ - 05 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15622]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

المقتطف الثاني: «هل أظهر الناس اعتراضهم بصورة أو بأخرى على عدم وجود الشيخ في مسجده بعد خروجه من الاعتقال؟ الناس الذين كانوا يجيئون من بلاد أخرى لكي يؤدوا صلاة الجمعة خصيصاً في مسجد الشيخ كشك لم يعودا يأتون!»
المقتطف الثالث: «يعني هل نستطيع أن نقول إن المسجد لم يعد يمتلئ بالمصلين الآن في غياب الشيخ كشك؟ المسجد لم يكن قاصراً على باحة المسجد فقط، لكن كان خلفه مظلة مسقوفة مساحتها كمساحة أربعة مساجد؛ فهي مبنية بنفس مساحة المسجد، لكنها متعددة الطوابق، فضلاً عن الشوارع الجانبية المحيطة بالمسجد والقريبة منه التي كانت تُفرش فيها الحصر وتمتلئ عن آخرها تماماً بالمصلين الذين يسدون الشوارع. وقد جاء التلفزيون الأميركي وصوّر هذا الاكتظاظ والاحتشاد لسماع الشيخ كشك. كل ذلك لم يعد يحدث الآن».
مرَّ بنا قول جيل كيبل في المقال السابق عن الشيخ عبد الحميد كشك: «حتى إن إحدى المجلات ذات التمويل السعودي سمته (نجم الدعوة الإسلامية)».
هذه المجلة التي عناها بقوله هذا هي مجلة «المسلمون»، التي لخصنا واقتطعنا منها حوار حسين قدري حول الشيخ عبد الحميد كشك مع شقيقه الأكبر المحامي عبد السلام كشك.
فحسين قدري في حواره الصحافي «حديث لم يحدث... وحوار لم يتم»، وهو يذكر اسم الشيخ عبد الحميد كشك ضمن أسماء الشخصيات الإسلامية التي أوصاه رئيس تحرير مجلة «المسلمون»، زهير الأيوبي، بالالتقاء بها، كان قد قال عنه: «الذي أطلقت عليه مجلة (المسلمون) لقب (الداعية النجم)، وعلق هو على هذه المعلومة بقوله: وهو كذلك فعلاً».
نلحظ هنا أن ثمة اختلافاً غير جوهري في مسمى اللقب. فجيل كيبل يقول إن تلك المجلة سمته «نجم الدعوة الإسلامية»، ومحررها الأول حسين قدري يقول إنها أطلقت عليه لقب «الداعية النجم».
إن صياغة جيل كيبل لتلك الجملة فيها شيء من ثآليل اليسار المصري واليسار العربي، ولا غرابة في هذا، ففي ذلك الوقت، وهو يعد ويكتب أطروحته للدكتوراه «النبي وفرعون» كان شاباً يسارياً متحمساً.
من ناحية موضوعية محضة، مجلة «المسلمون» مجلة مكتوب في التعريف بها في ترويستها الثابتة المعلومات التالية:
أسبوعية ثقافية جامعية، تصدرها «الشركة السعودية للأبحاث والتسويق» (تحوَّل اسم الشركة فيما بعد إلى «الشركة السعودية للأبحاث والنشر»، لأنها لم تعد الشركة الأم، وإنما أصبحت شركة من ضمن شركات «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق»)، فالشركة إذاً يملكها سعوديون، وليست ذات تمويل سعودي؛ فهي لا يملكها - على سبيل المثال - رجال أعمال لبنانيون حتى يصح القول عنها إنها ذات تمويل سعودي، هذا في حال إن وجد هذا التمويل.
ولاقتضاء المناسبة، سأقول مستطرداً: إن كلمة «سعودي» - يا للسفاهة والخزي - حوّلها القوميون واليساريون في العالم العربي، بدافع من صخبهم الثوري وديماغوجيتهم العقائدية وفكرهم الدعائي، إلى تهمة سياسية، وشبهة آيديولوجية!
لقد توهم جيل كيبل أنه يلمز مجلة «المسلمون»، بتعريفه بها بأنها ذات تمويل سعودي!
وهذا أمر شرحنا - آنفاً - خطله.
وليعبر جيل كيبل عن تحفظه عليها - لا على فحوى اللقب، إذ إنه كان متبنياً له، فاستعمله في خاتمة دراسته عن كشك - تجاهل ذكر اسمها!
إن جيل كيبل حينما مَنَّ على مجلة «المسلمون» بتجاهل ذكر اسمها، وقع في خطأ منهجي؛ فهو يكتب أطروحة علمية، وليس مقالاً صحافياً يُباح فيه الإشارة إلى المقصود بطريقة غير مباشرة أو بإيمائة من بعيد، لغرض فني، أو لغاية سياسية، أو فكرية.
وتشتد فداحة الخطأ المنهجي الذي وقع فيه حين تعلمون أن القارئ لكتابه الذي لم يعاصر أول الثمانينات الميلادية، لن يعرف اسم المجلة المعنية، إذ إن المجلة صدرت لفترة زمنية قصيرة جداً، لم يبلغ مداها عشرة أشهر بالتمام والكمال. فأول عدد منها صدر بتاريخ 30 - 10 - 1981. وآخر عدد منها صدر بتاريخ 27 -8 - 1982، وهو العدد الذي نشر فيه حوار حسين قدري مع المحامي عبد السلام كشك حول شقيقه عبد الحميد الشيخ كشك؛ فالمجلة كانت متوقفة قبل أن يناقش أطروحته عام 1983، وقبل أن يطبعها عام 1984 باللغة التي كتب بها الأطروحة، وهي اللغة الفرنسية، وقبل أن تترجم إلى اللغة الإنجليزية عام 1985. وحينما ترجمت إلى اللغة العربية عام 1987. كان قد مضى على إغلاق المجلة ما ينوف على الخمس سنوات.
أوقف الناشران هشام ومحمد علي حافظ صدور مجلة «المسلمون» بعد صدور أربعين عدداً منها، لأن الإعلان فيها كان ضعيفاً.
في أواخر عام 1981، وفي عام 1982، كان المعلنون لا يقبلون على الإعلان فيها، بالقدر الذي كانوا يقبلون فيه على الإعلان في جريدة «الشرق الأوسط» وفي مجلتي «المجلة» و«سيدتي»، ذلك لأن المعلنين في ذلك الوقت وفي أوقات بعده، كانوا في التسويق لمنتجاتهم وخدماتهم لا يستهدفون جمهور المجلات الإسلامية.
وهناك قضية تستحق أن أشير إليها في سياق حديثي عن الكاسيت الإسلامي وتاريخه، تتعلق بتعليل فشل تجربة مجلة «المسلمون». وسأبسطها على النحو الآتي:
جمهور الصحوة الإسلامية غدا في ذلك التاريخ يكوّن قطاعاً كبيراً في أوساط المتدينين والمحافظين. وجمهورها، غلماناً وشباباً ورجالاً وكهولاً، مالوا وأعرضوا عن مجلة «المسلمون» حينما صدرت، فكانوا لا يقبلون على شرائها بسبب جهة إصدارها؛ فهي تصدر عن «الشركة السعودية للأبحاث والتسويق» التي تصدر عنها مجلة «سيدتي»، وهي المجلة التي كانوا، لشدة تزمّتهم الديني والاجتماعي والثقافي، يمقتونها مقتاً عظيماً. ولا أدل على ذلك من تسميتهم لها مجلة «سيِّئتي»!
والسبب الثاني لانصرافهم عن شرائها أنها لم تكن مجلة متطرفة. فلكي تكون المجلة الإسلامية مجلة ناجحة ومنتشرة عندهم، يجب أن تكون متطرفة دينياً واجتماعياً، ومملوءة بالتحريض والتهييج الديني على أنظمة سياسية عربية بعينها يخوض الإسلاميون صراعاً سياسياً معها، ومملوءة أيضاً بالتحريض والتهييج الديني على الأدباء والمثقفين والصحافيين العرب، الأحياء والأموات.
لهذا كانت المجلات الإسلامية التي تقوم على هذا النهج - كمجلة «المجتمع» الكويتية ومجلتي «الاعتصام» و«الدعوة» المصريتين - منتشرة ورائجة بينهم.
كل ما قلته عن ملابسات نشأة الكاسيت الإسلامي من خلال أشرطة الشيخ عبد الحميد كشك في مصر في المقال السابق يصلح أن يكون ردّاً على ما ذهب إليه وائل مصطفى صاحب كتاب «دعاة عصر السادات: كيف تمت صناعة التشدد في مصر» في مقابلة تلفزيونية أجراها معه عمرو عبد الحميد في برنامجه «رأي عام» في قناة «Ten» المصرية، فلقد ذهب إلى أن أشرطة كشك نشأت في حضن مؤامرة حبكها الرئيس أنور السادات مع جماعة الإخوان المسلمين، لتشويه مصر الستينات، وتشويه الفن المصري، وللهجوم على الأفكار الناصرية وعلى الأفكار اليسارية.
إن الرئيس أنور السادات كان مهتماً بالفن المصري ومتحمساً له، وإن لم يكن هذا الاهتمام به والحماس له بالقدر الذي كان عند الرئيس عبد الناصر. ذلك لأن الأخير بلغ درجة قصوى في إيلاء الفن المصري كل الاهتمام وكل الحماس. ولا يخفى سبب ذلك؛ فهو كان أداة من بين أدوات استخدمها بطريقة ممنهجة في الدعاية لثورة 23 يوليو. ولتجربته الاشتراكية، ولشخصه، داخل مصر وخارجها.
أما تشويه مصر الستينات - والتعبير الدقيق هو تشويه مصر السياسية في ظل حكم جمال عبد الناصر في الخمسينات والستينات أو مصر جمال عبد الناصر أو مصر الناصرية - والهجوم على الأفكار الناصرية وعلى الأفكار اليسارية، كان هو سبب غض السادات النظر عن خطب كشك، ولأن هذا كان جزءاً من الصفقة السياسية التي أبرمها مع الإخوان المسلمين، وكان جزءاً من دعمه للجماعات الدينية المغالية، ولأنه أراد أن يؤسس لنفسه شرعية سياسية جديدة من داخل شرعية ثورة 23 يوليو، تقوم على نقض وهدم شرعية سلفه.
ولا ننسى أن الناصريين واليساريين في عقد السبعينات كانوا يشنون حرباً سياسية وآيديولوجية على السادات وعلى حكومته وعلى سياسته الداخلية والخارجية وعلى سياسته الاقتصادية وعلى اتجاهه الفكري.
وهذا ما دعاه إلى الاستعانة بإسراف بالقوى الدينية السياسية، وتشجيع تناميها وتكاثرها، ليضرب بها الناصريين واليساريين الذين كانوا يناوئونه ويعادونه.
إنني لم أقرأ عند أحد من هؤلاء الذين استطاعوا أن يحولوا اللقب الذي أطلقه السادات على نفسه واتخذه لقباً رسمياً له، وهو لقب «الرئيس المؤمن»، إلى نكتة ومسخرة، أن هذا اللقب لم يسكّه السادات من فراغ، وأن له أصلاً في عهد سلفه جمال عبد الناصر.
فهذا اللقب الذي كان السادات يُلمح فيه إلى أن سلفه عبد الناصر «رئيس غير مؤمن»، ما هو إلا تطوير للقب الذي خلعه الشيخ الأكبر، محمود شلتوت، على جمال عبد الناصر، وهو لقب «الشاب المؤمن».
إن الحملة السياسية على جمال عبد الناصر في السبعينات الميلادية، والتنديد بوقائع الاستبداد في عهده، التي صدرت في كتب وفي أفلام سياسية، قد شارك فيها يساريون، ويساريون ناصريون، فهل هؤلاء كانوا شركاء مع السادات في «مؤامرة تشويه مصر الستينات»؟!
إن يكن الإخوان المسلمون استفادوا من خطب كشك، فهذا لا يعني أنه كان أداة وبوقاً لـ«الإخوان المسلمين»، وإن يكن السادات استفاد من خطبه، فهذا لا يعني - أيضاً - أنه مسيّر من قبله، كما ذهب إلى ذلك في حلقة من حلقات برنامج تلفزيوني مخصص لأحاديث يلخص فيها ما جاء في كتابه.
إنني لا أفهم كيف يكون الشيخ كشك أداة وبوقاً لـ«الإخوان المسلمين»، وهو يصدر عن فكرهم، بأضاليله وأكاذيبه. ولا أفهم كيف يكون مسيّراً وملمّعاً بأمر السادات وإرادته، والإعلام والفن في عهده، وأنيس منصور وموسى صبري، ألمع كاتبين وصحافيين من كتابه وصحافيه، كانا متضررين من خطبه. فلو كان مسيّراً بمشيئة ساداتية لفعل ذلك.
يقول وائل لطفي في كتابه «دعاة عصر السادات»، نقلاً عن عرض للكتاب كتبه محمد البرمي في جريدة «المصري اليوم»: «لقد كانت كلمة السر التي حولتهم إلى دعاة مؤثرين هي وسائل الإعلام الحديثة، فلولا التلفزيون لما كان للشيخ محمد متولي الشعراوي كل هذا الذيوع والتأثير، ولولا اختراع الكاسيت لما أمكن لخطب الشيخ الساخر عبد الحميد كشك أن تطوف الوطن العربي كله من الخليج إلى المحيط، وأن تبقى حية حتى اليوم».
وفق منطق هذا التفسير الذي أراد به بتحامل أن يقلل من موهبة الشيخين، يمكن أن نقول: لولا اختراع الصحافة في الغرب، ونشأتها في مصر، ونشأة الأسلوب الصحافي مع محمد التابعي، لما عُرف محمد حسنين هيكل في مصر وفي العالم العربي!
ولولا اختراع الإنجليز للعبة كرة القدم، وانتقالها إلى مصر، لما اشتهر محمود الخطيب في مصر وفي العالم العربي!
ولولا اختراع الإنجليز للقطار وإنشاؤهم لسكك الحديد في مصر، لما تمكن حسن البنا عبر القطار من نشر دعوته في فترة زمنية وجيزة في أنحاء القطر المصري!
وقس على ذلك...
شيوخ الدين الذين كانوا يظهرون في برامج تلفزيونية ثابتة كثيرون، فلماذا بزّهم الشعراوي شهرة وشعبية على مستوى مصر وعلى مستوى العالم العربي؟
ولماذا كان كثير من المتعلمين وبعض الصفوة يُفتنون بتفاسيره وأحاديثه مع أنها قائمة على تلاعب وبهلوانيات لغوية، وتطفح بسيل من العامية في الفكر والجدل؟
أتذكر أن للشيخ محمد الغزالي - أحد الذي تحدث وائل مصطفى عنهم في كتابه - برنامجاً تلفزيونياً ثابتاً، وأتذكر أن حضوره كان باهتاً. فالذي حقق له نجومية وشعبية في مجال الكتابة الإسلامية هي موهبته في كتابة المقالة الصحافية وفي تأليف الكتب. وهي الموهبة المعدومة عند الشيخ الشعراوي. فموهبة هذا الشيخ هي موهبة شفاهية، وهو يتمتع بأداء مسرحي باهر، صوتاً وجسداً.
وهذه الموهبة تتجلى وتبزغ في التلفزيون والإذاعة، وأمام ميكروفون المسجد. وكذلك كانت موهبة الشيخ كشك الذي حُبس عن ميكروفون الإذاعة وحُجِب عن شاشة التلفزيون.
ظهر بعد الشيخ كشك بسنوات شيوخ وعَّاظ مصريون سُجّلت خطبهم يوم الجمعة على شرائط كاسيت، وكانوا يقلدون كشك في نمط خطبه وطريقته في الخطابة، لكن مع هذا ظلوا شيوخاً ووعاظاً محليين جداً، لا يعرفهم سوى أهل مدينتهم في مصر، لأن القدرات والمواهب المتوفرة عنده كانت غير متوفرة عندهم.
وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو