سم الثقافة الديمقراطية وحكمة جورج أورويل

سم الثقافة الديمقراطية وحكمة جورج أورويل

الأحد - 28 محرم 1443 هـ - 05 سبتمبر 2021 مـ رقم العدد [15622]

دعني أطرح عليك سؤالاً صادقاً. ما هو شعورك تجاه الحد الأدنى من Mindestbeitragsbemessungsgrundlage - وتعني قاعدة المساهمة؟ إجابتك يمكن أن تحدد كيف ستصوت في الانتخابات الفيدرالية الألمانية في 26 سبتمبر (أيلول)، لأن حزب الخضر من يسار الوسط يحقق الكثير من ذلك في برنامج حزبه - رغم أنه ليس من الواضح تماماً ما هو مقدم عليه، أو ما يفكر فيه «حزب الخضر».
لم تكن بيانات الأحزاب الخمسة الأخرى أفضل حالاً. فتكتل يمين الوسط المكون من «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» وحزبه الشقيق البافاري «الاتحاد الاجتماعي المسيحي» ينذر بالسوء بشأن ما يسمى Mindestbeitragsbemessungsgrundlage – ، وتعني إقرار المسؤولية العامة. فالمتسابقون الحاليون في المقدمة، «الاشتراكيون الديمقراطيون»، لديهم الكثير ليقولوه بشأن - Schwerpunktstaatsanwaltschaften - وتعني النيابة العامة المتخصصة»، وهكذا تسير الأمور.
لا تتسرع بالاعتقاد بأن حيرتك لها علاقة بعدم قدرتك على فهم اللغة الألمانية، فغالبية الألمان أيضاً ليس لديهم أدنى فكرة عما تعنيه هذه المصطلحات الطويلة المربكة. صحيح أن «اللغة الألمانية الفظيعة»، كما أطلق مارك توين على اجتراره الكلاسيكي للموضوع، تحتوي على الكثير من الأشياء التي «ليست كلمات (ولكن) مصفوفات من الحروف الأبجدية». لكن المشكلة الأساسية هنا مختلفة - وهي منتشرة تماماً في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو فرنسا أو أي ديمقراطية حديثة أخرى.
ولفهم هذه الظاهرة الأعمق، يمكنك أن تفعل ما هو أسوأ من إعادة قراءة كتاب جورج أورويل «السياسة واللغة الإنجليزية»، بينما تستبدل «الإنجليزية» عقلياً بالألمانية، أو الفرنسية، أو الإسبانية أو أي شيء آخر تتحدث عنه.
حسب فهم أورويل بالفعل في عام 1949، فإن التعبير السياسي بأي لسان يميل بشكل طبيعي نحو كونه غير واضح وغير أنيق وقبيحاً. وفي أسوأ الأحوال، كما هو الحال مع مجموعة البرامج السياسية الألمانية العام الحالي، فإن هذه النصوص لا تبدو أكثر من هراء، إذ يجري كتابتها عمداً للتعتيم أكثر من التوضيح.
كانت هذه نتيجة دراسة أجرتها جامعة «هوهنهايم» في جنوب غربي ألمانيا، حيث وجدت أن البيانات الرسمية للأحزاب - التي يُزعم أنها تستخدم لزيادة وعي الناخبين - غير قابلة للقراءة بأي مقياس.
علاوة على ذلك، تشتمل هذه الكلمات على الكثير من المصطلحات الجديدة والمركبة المذكورة أعلاه، التي يبلغ مجموع كل منها حوالي 50 حرفاً. ثم يتم دمج هذه المصطلحات العملاقة في جمل تشغيلية يسميها مؤلفو الدراسة «الديدان الشريطية».
أرى من وجهة نظري أنه إذا أجرى باحثون في ديمقراطيات أخرى دراسات مماثلة - وآمل أن يفعلوا ذلك - فسيجدون جرائم مماثلة ضد التعبير والتفكير الواضح. والسؤال هو نفسه الذي أثاره جورج أورويل: لماذا؟
خلص أورويل إلى أن «العدو الأكبر للغة الواضحة هو النفاق». وغالباً ما يكون الأمر كذلك، لكن العديد من السياسيين الألمان الذين يترشحون الآن لشغل مقعد في البرلمان أو الحكومة يؤمنون حقاً بشيء ما.
لذلك أعتقد أن السبب الجذري هو الجبن. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، والصواب السياسي، والقبلية السياسية، والاستقطاب، يخشى الكثير منا من أن خطأ واحداً في لفظ شعاراتنا الخاصة سيُطردنا من مجموعتنا، أو ينهي حياتنا المهنية، أو يكلفنا الأصوات الحاسمة، أو يتركنا مفتوحين للهجوم من الجهة الأخرى.
يدفعنا هذا الخوف، لا سيما السياسيون، إلى إنكار أن كل رأي نتبناه ينطوي على مقايضات غالباً ما تكون مؤلمة. فأي سياسة بشأن تغير المناخ، على سبيل المثال، ستكون لها أيضاً آثار مالية وضريبية واقتصادية وحتى جيوسياسية، ربما لا نرغب في قبولها.
قد يعني التواصل الجيد التعبير عن هذه المقايضات والتناقضات مباشرة، بكلمات وجمل بسيطة وقصيرة بشكل مثالي. ثم مرة أخرى، قد لا يكون التواصل «الجيد» هو هدف التعبير السياسي.
على الأرجح، كما استشعر أورويل، فإن الهدف هو حقاً الدفاع الوقائي عن النفس. إذا كان السياسيون يفهمون الكلمات والجمل على أنها خنادق ومعارك، فكلما زاد عدد الكلمات والجمل كان ذلك أفضل. وحسب تعبير محافظي البنك المركزي الأميركي السابق ذات مرة، «لقد تعلمت أن أغمغم وألا تكون عباراتي مترابطة. وإذا بدت كلماتي غير ملائمة، فلا بد أنك أسأت فهم ما قلته».
اعتبرني من الطراز القديم، لكن هذا سم للثقافة الديمقراطية. فبدون لغة واضحة، لا يمكن للناخبين تمييز بدائلهم، وبدلاً من ذلك سيصابون بخيبة أمل ولا مبالاة، والأسوأ من ذلك، سيقعون فريسة الديماغوجيين.
لهذا السبب سيكون هناك دائماً متشائمون يتجاهلون شكوكهم ويبالغون في تبسيط الواقع وإثارة استيائنا، وسيختارون كلمات قصيرة وبسيطة. ولذلك إذا استجاب السياسيون الشعبويون لقواعد أورويل الستة للكتابة، وتحدثوا بوضوح سيكون الله في عوننا.
- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو