الحشد وحدود الدم.. يا سلام!

الحشد وحدود الدم.. يا سلام!

الجمعة - 30 جمادى الأولى 1436 هـ - 20 مارس 2015 مـ رقم العدد [13261]
وفيق السامرائي
ضابط متقاعد وخبير استراتيجيّ عراقيّ
مجنون - من كل سياسيي العراق - من يتقمص شخصية صدام حسين. ليس بسبب ما تسبب من دمار، ولا بسبب الحالة المزرية التي قبض عليه فيها فحسب، بل لأنهم أضعف منه كثيرا، وجاءوا في مرحلة لم يعد فيها الشعب قابلا للسكوت عنهم، ولأن فرسانا من السياسيين يراقبون أوضاعهم ويتصدون لهم علنا.
قبل بضعة أيام شاهدت مقطعين، أحدهما لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني أثناء لقائه شيوخ عشائر عربية - على الحكومة المركزية رعايتهم - يقول فيه إن «كل الذين قاتلوا مع داعش سيكون مصيرهم مصير التنظيم»، وهو كلام لا يحتاج إلى مناقشة. ولكن، وهنا الـ«لكن» كبيرة، هل ينطبق هذا توصيفا قانونيا وشرعيا وعرفيا على من غطى وروّج لهم من «إقليم كردستان»؟ ومن أمّن لهم الإقامة والأمان وحرية الاتصال بوسائل الإعلام، ولا يزالون هناك يسبون ويشتمون ويحرضون على العنف ويثيرون الطائفية والعنصرية؟ وهل من واجب الحكومة المركزية تحريك دعاوى جرمية لا تستثني أحدا من المعنيين من مسؤولي الإقليم؟ أم أن استغلال الظروف الشاذة متاح لطرف دون حساب؟
وقبل أن أسترسل بهذا المقال الموجز، فإن المقطع المثير المحبط الثاني فكان لنائب رئيس جمهورية العراق وهو يلقي خطابا ثوريا على عدد يصعب وصفهم بالمئات من متطوعي معسكر تحرير نينوى، وعددهم لا يكفي لتشكيل جزء بسيط من أفراد حمايته! فهل تتحرر الموصل هكذا؟ أم المطلوب الاستعانة بالباب العالي وحكم السلاطين الذين رهن بعض مسؤولي إقليم كردستان المستقبل بوجودهم؟ يا له من تحالف! ولا أريد أن أستعير عبارة من عبارات الرئيس الأميركي بوش الثاني لتوصيفه.
أما قصة «حدود الدم» المصطلح الذي استخدمه بارزاني للأراضي التي حررت من قبل قوات البيشمركة بعد احتلالها من «داعش» من مناطق هيمنة الإقليم السابقة، فتدعو إلى الاستغراب من عدم كفاية عقود من الصراعات المتعددة بين أبناء الإقليم ومع المركز لاستخلاص العبر والدروس، وضرورة تبني خطاب سلمي بعيد عن لغة الوعيد والتحريض، خصوصا أنها لغة لا تستند إلى معطيات مادية ولا إلى عناصر قوة، فالبيت الكردي ذاته يعاني تجاذبات وخلافات كبيرة، ويخطئ من يظن أن رئاسة الإقليم قادرة على فرض إرادتها - رغم تأثير المال والسلطة على أطراف ضعيفة - على القوى الفاعلة في الاتحاد الوطني الكردستاني وكتلة التغيير.
نموذج البعث وصدام لن يتكرر أبدا في أي جزء من خريطة العراق الحالية والباقية، والحراك الشعبي في الجنوب والوسط والشمال «وفي الإقليم» يعطي دليلا واضحا رغم الصعوبات المؤقتة. وإذا كان وصف حدود الدم قد عبر عنه كجزء من استراتيجية فماذا سيقال عن التطور الكبير وغير المتوقع لقوات الحشد الشعبي، التي لا أظن أنها ستتوقف أمام حدود ورغبات؟
معظم السياسيين الحاليين خائفون إلى حد الرعب مما ستؤول إليه أوضاعهم في مرحلة ما بعد «داعش»، ومنهم من سرق أموال الشعب بأرقام فلكية، ومنهم من تسبب في تأجيج مشاعر طائفية وعنصرية ومناطقية، وتسببوا في نزوح ملايين الناس تاركين بيوتهم، ومنهم أصحاب الأقلمة والشوفينيين. ومع أن هؤلاء ليسوا عقلاء، فإن كل عاقل ومطلع يمكن أن يؤكد لهم مخاوفهم، فالذين قدموا التضحيات من أبناء الشعب والقوات المشتركة لن تبقى لهم القدرة على رؤيتهم دون حساب، واستمرارهم على خلفية «المؤامرات السياسية» سيصبح هراء على المدى القريب، وفقا لأحكام القوانين.
نعم مرحلة ما بعد «داعش» ليست كسابقاتها من المراحل، فلكل مرحلة معطياتها، ومن يظن أنه قادر على فرض أجندته على شعب ظلم كثيرا فإنه بحاجة إلى ظهور من يكشف للناس حقائق من التاريخ، وهي كثيرة وموجودة. وسيأتي يوم قريب يفرض فيه الشعب إرادته بالحق، وسينال الفاشلون ومثيرو الشغب ومتسببو الكوارث ومروجو شعارات التخلف بكل أشكالها العنصرية والطائفية جزاءهم العادل، وسيتوارون عن الأنظار، وسيحكم العراق وفق معادلات أخرى. هل سمعتم أن منتصرا ترك ثمار النصر لغيره. ونتمنى، وسننصح أن يبقى الإنصاف قرين الحزم، وإن 12 عاما كانت كافية لإعادة البدء باستقرار العراق والبدء بإعماره، ومن حق أمهات الضحايا رؤية يوم الحساب بالحق والعدل والإنصاف والحزم، ومن حق العراق وكرامته التاريخية أن يغيب عنه اللغو الطائفي والعنصري والمناطقي المتخلف نهائيا.

التعليقات

قاسم حول
البلد: 
هولندا
20/03/2015 - 06:33

مقال ممتاز, وضوح سياسي وفكري .. أتابع مقالات الكاتب بإهتمام. أجد فيه الرؤية الوطنية الواضحة وبعد النظر .. شكرا للكاتب وللشرق الأوسط

البلد: 
IRAQ
20/03/2015 - 07:54

انشاء الله تختلف هاي الاوضاع ونكدر نقضي على المناطقيين والطائفيين ونخلص منهم انشاء الله

ابو عبدالله
البلد: 
العراق
20/03/2015 - 08:27

تحليل منطقي
ونتمنى من الشعب ان ياخذ الدرس ولا يعيد اخطاء السنيين العشر

adil
البلد: 
iraq
20/03/2015 - 08:39

احيك من كل قلبي يا عراقي يابطل..... كلما قرات أو اسمعت لك.... اجدني لا افرق بينك وبين الجبل والسهل والرافدين..... كلامك يتدفق كما الفرات سريع وصادق ولماع ويروي الضامئ..عاش العراق بابناءه النجباء....... لبيك ياعراق....

غيد الأسدي
البلد: 
العراق
20/03/2015 - 09:04

كلام يضع الجميع أمام خيارين ..
إما توحد الجهود والمسؤوليات ..
أو تفشي التشتت والفساد ..
سلم فكرك أستاذنا الجليل ..!

عصام الموسوي
البلد: 
العراق_النجف
20/03/2015 - 09:58

مقالة روعة وكاتب نزيه ومنصف وانا استغرب لماذا تغفل حكومتنا عن هكذا خبرة وامكانية

ابوسنان السوداني
البلد: 
العراق
20/03/2015 - 10:03

تسلم سيادة الفريق ويسلم القلم الذي بين يديك كالسيف وشكرا على الصراحة والانتماء للعراق

حسين المولى
البلد: 
العراق-بغداد
20/03/2015 - 10:21

شكرا لك سيدي ابن العراق البار لوطنه وأهله على ماجاد به قلمك النبيل -لقد كنت دوماتعبر عن ضمير الامه وتضع اصبعك على الجرح -وهذا يملآ قلوبنا بالامل بان للعراق رجال شرفاء يحملون همه أينما حلوا -فلاخوف على وطن وشعب فيه أمثال هؤلاءوبالمقدمه منهم جنابك الكريم --تقبل فائق التقدير والاحترام

باسم العلي
البلد: 
العراق
20/03/2015 - 15:52

في عراقنا الجريح كل من يعتلي ظهر الجواد يظن نفسه الفارس المؤمل المطلق القرار، وما ذاك إلا لضحالة خبرتهم السياسية والحياتية فلو كانوا يفقهون السياسة لعرفوا كيف تساس الأمور، ولو اسعفتهم خبرتهم الحياتية لعرفوا الخجل من كل فعل مَشين اقترفوه، لكن جُلَّهم عاشوا أذنابا للآخرين والذنب بحاجة إلى من يحركه، من هنا كانت تحركاتهم تبعا لإرادات غيرهم، فلا تعجب يا سيادة الفريق من هذه التجاذبات في المواقف، وكمثال فإن برزاني الأب استعان باليهود عن طريق الشاه وغيره واستعان برزاني الابن بصدام ضد قوات جلال طالباني فكيف تكون هكذا أخلاقهم ومبادئهم ونرجع لنستغرب تصريحاتهم؟

جاسم الكناني
البلد: 
العراق-بغداد
20/03/2015 - 16:04

مقال رائع وكلمات صادقه من كاتب مخلص لوطنه لطالما أجاد بكتاباته ووضع أصبعه على الجرح ,شكرا" لكم أستاذ وفيق وجزاك الله خيرا"

Dyaraljaff
البلد: 
امريكا
20/03/2015 - 19:57

جمعة مباركة على الجميع . واهني العراقين وبالاخص اخوة الكرد بعيد نوزروز وعيد نوزروز عيد العراقييين جميعا.

1- من المستحيل ان يعود العراق ما قبل نكسة حزيران 10-6-2014 كما كانت قبل هذه التاريخ - مثل ما دخلت قوات العراقية 2-8-1990 الى الكويت والعراق ضاعت ولم يعود كما كانت والان تتككر نفس السيناريو في العراق ما بعد تحرير العراق .
2- الاخ وفيق السامرائي كلامك جميل ولكن كنت اتمنى عندما كنت في السلطة كونك مدير استخبارات صدام وقبل هروبك عام 1996 ان تنصح صدام لا يضرب كيمياوي على الكرد ياحطام بوابة الشرقية .
3- على الجميع السياسيين العراقين كان من المفروض ان لا ينسوا ان امريكا اسقطت صدام لو لا امريكا لا كانوا لحد الان هم خارج العراق وكان على السياسين ان يشكروا النعمة الله انعم عليهم بعد تحرير العراق وان كان يحافظوا على العراق وعلى هل النعمة اعطاهم امريكا وخلصهم من صدام ..
مع الاسف السياسيين بعد صدام دمروا العراق .اننا لسنا بصد دفاع عن صدام حسين انه دكتاتور وناله جزاءه العادل ولكن هذه الحكومة احسن من نظام صدام الجواب كلا لافرق بينهما ابدا فقط قبل ليس طائفية والان طائفية والعراق يتجه نحو الطائفية في المدن وليس العراق فقط وتدمير العراق

علي
البلد: 
عراق
06/04/2015 - 20:23

كلام حلو و جميل و هذا كلام و رائ جميع العقال و السياسين و المسؤولين العراقين و لكن عندما يكونون خارج السلطة و المسؤولية و بالعكس عندما يكون على كرسي السلطة أبدا ما يقول و يفعل و يفكر صح

ميثم حرب عبد الحسين
البلد: 
العراق
08/05/2015 - 18:28

دائماً تتصف تحاليلك بالموضوعيه وعدم التكلف وتكون مفهومه لكل الطبقات الأجتماعيه بسبب قربك من أهلك ومعاناتهم ولو كنت بعيداً... أن النصر على داعش يضر الكثير من السياسيين والذين هم الآن في السلطه وهم يعلمون جيداً نهايتهم من نهايه داعش لأن زمن ما بعد داعش سيختلف كثيراً لأن القول الفصل غداً للشعب بعد أن وضعت النقاط على الحروف وكسر جدار الخوف ... الف تحية لك ولكل عراقي شريف لم تلوث عقله الطائفيه والمحسوبيه

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة